strong>الحلّاج والنّفري وأبو نواس وأدونيس و... جبران

تجربة نجيب الشرادي ورفيقيه التي انطلقت في الثمانينيات، تحمل بعداً سياسيّاً، وهمّاً تحرّرياً، وحسّاً فوضويّاً. عودة إلى الفرقة التي لم تُصدر أسطوانة جديدة منذ 13 سنة، في مناسبة إطلالتها الأردنيّة الأخيرة

عمان ــ أحمد الزعتري
في محل صغير في «باب توما»، ثمة أسطوانة بغلاف أحمر تتوسّطه صورة ثلاثة رجال حفاة يجلسون على الأرض بشعورهم الطويلة. النسخة مقرصنة، لكنّها كانت الطريقة الوحيدة لسماع أسطوانة «تيه» لفرقة «وشم» المغربيّة/ الهولنديّة التي تلقى رواجاً في بلاد الشام أكثر من وطنها.
الأمر يشبه زراعة نبتة، فتنمو عند الجيران. حين تأسّست الفرقة عام 1987 في هولندا، تبيّن أن أعضاءها (نجيب الشرّادي، كمال الحرس، عبيد البحري) «نبتة ضارّة»، وفقاً لتصنيفات السلطة. كانت الاعتقالات السياسيّة تضع المغاربة في مواجهة جدار صلب، فاختار هؤلاء الشباب طريق المنفى الاختياري في أوروبا. أول من أمس، على خشبة «مسرح البلد» في عمّان، وقف نجيب الشرّادي ورفاقه. لكنّ تباعد عروض الفرقة وانقطاعها عن إصدار الأسطوانات، يجعلان الاستماع إليها تجربة جديدة كلّ مرة. كان الحضور يتوقّع الاستماع إلى مقطوعات «تيه»، الأسطوانة القديمة... لكنّ فرقة «وشم» فاجأت الجمهور بأغانيها الجديدة، من قصائد الحلّاج والنّفري وأبو نواس وأدونيس وابن زيدون وجبران خليل جبران.
المخلصون لتجربة الفرقة، افتقدوا نبرة الألم الواقعيّ التي عرفوها في «تيه». تلك النبرة منحها توحُّش صوت الشرّادي قيمتها الراديكاليّة. أضف إلى ذلك الموسيقى المدوِّخة التي تتمرّد على الجمل الموسيقيّة الجاهزة، مخلخِلةً كل إحساس بالاطمئنان إلى لحن سمعناه أو حتى نستطيع ترديده لاحقاً.

تعلّم الشرادي باكراً فنّ الملحون، وارتاد الطرب الأندلسي المتأصّل في المغرب
بدلاً من ذلك، استمعنا إلى أغانٍ بقوالب جاهزة. المقدمّات التخت ـــــ شرقيّة لم تفُت الذائقة الطربيّة لمقدّمات أغاني العصر الذهبي في مصر مع أم كلثوم وعبد الوهاب. افتقدنا هذا التمرّد حتى خلنا أنّ إقحام لحن البولكا الراقص مع الحلّاج «إذا أبصرتني أبصرته، وإذا أبصرته أبصرتنا» ضرب من الجنون. والـScatting (ترديد كلمات بلا معنى في الجاز) في قصيدة أبو نواس «يا معشر اللوام عذبتموني ملاماً، والله ما طاب عشق حتى يكون حراماً» نوع من الرجوع عن التمرّد الموسيقيّ.
لكن ألا يعدّ الرجوع إلى كلاسيكيّات الموسيقى التي ضاعت في غفلة منّا، أمراً حداثيّاً وتمرّداً على المعاصرة؟ هذا بالضبط كان مشروع الفرقة لدى تأسيسها: «استفزاز السؤال لدى الجمهور، ومحاولة خلق شواطئ أخرى بالاعتماد على روح المغامرة» بحسب الشرّادي.
نجيب الشرّادي (سلا/ المغرب ـــــ 1954)، محور «وشم»، هاجر إلى أوروبا لدراسة علم الاجتماع. خلال طفولته، كبر على أصوات «المشرق العربيّ» الأسطوريّة: أم كلثوم وعبد الوهاب وأسمهان. أما التراث المغربيّ، فأخذه عن والده الذي كان يعزف على آلات موسيقيّة عدة. هكذا عرف فنّ الملحون العريق، والألحان الأندلسيّة المتأصلة في المغرب. بدأ نجيب يغني في المناسبات العائليّة، وتفتّح وعيه مبكراً على الأحداث في المنطقة في السبعينيّات. حمل هذا الوعي معه إلى أوروبا، حيث تنقّل بين بلدان عدة أواخر السبعينيات، وشارك في التظاهرات الطلابيّة والعمّاليّة المنادية بالحقوق المدنيّة والمساواة. كان همّ الشرّادي «خلخلة البنية التقليديّة الموسيقيّة التي لم تتغيّر طيلة الفترة الماضيّة، وزجّها في مناطق أخرى لتجريبها ودفعها إلى أقصى طاقتها». هذا ما يمكن اعتباره مانيفستو فرقة «وشم» التي بدأت رحلتها حين انضم عازف العود كمال الحرس إلى الشرادي في بلجيكا عام 1983قد لا يعرف كثيرون أن أول أُسطوانة للفرقة ظهرت عام 1982. إذ أصدرت «وشم» أسطوانة «أغاني تحدّي»، وجالت أوروبا مقدّمة أعمالها، ثم التحق الموسيقي عبيد البحري بزميليه عام 1987، فأعطى الفرقة بعداً ديناميّاً جديداً. آنذاك اتضحت هويّة «وشم»: فرقة تمتلك بُعداً سياسيّاً، وهمّاً تحرّرياً، يفرضه الضيق من الأوضاع السياسية والاجتماعيّة، وحسّاً فوضويّاً. الأسطوانة الثانية كانت بعنوان «الموج» (1992). وجاءت «تيه» (1996) لتقترب أكثر إلى رؤية الفرقة ومشروعها. هكذا عبّر الشرادي ورفيقاه عن راديكاليّتهم وفوضويّتهم من خلال قصائد الحلّاج وأبو ذرّ الغفاري والنّفري، وحتى أدونيس؟ أما الاسطوانة الرابعة «صرخة أرض» (1997)، فأهدتها الفرقة إلى أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى، وغنّت فيها محمود درويش ومعين بسيسو وبابلو نيرودا. 13 سنة إذاً مرّت على آخر إصدار، فهل انتهت «وشم»؟ يجيب الشرّادي بالنفي «لديّ أغانٍ تملأ 3 أسطوانات، لكن لا أجد من يدعمها». هل نتحدّث عن مؤامرة هنا؟ ربما. إذ يقول الشرّادي: «لماذا أقدّم في عمّان أربع حفلات إلى الآن، بينما لم أقدّم في المغرب إلّا حفلتين؟ لماذا لم أُستضَف في «مهرجان فاس للموسيقى الصوفية»؟
بقليل من الحماسة، يتناول الشرّادي التجارب المعاصرة: «هناك تجارب جيدة لكنها مقيّدة، يعجبني السوري عابد عازرية مثلاً، لكنه يأخذنا إلى عالم مظلم ويتركنا هناك. تجربة الإخوة جبران الفلسطينية مهمّة، لكن يجب عليهم اختراق الغشاء الذي يلفّنا كلّنا وإيجاد عوالم أخرى».
حسناً، هل أوجدت «وشم» عوالم أخرى؟ هنا يستعيد الشرّادي تجربة الحلّاج كرمز رافض للسلطة والسائد، قائلاً: «سجنوه ثماني سنوات قبل أن يقتلوه حتى انطفأ تأثيره». عسى أن تكون تجربة «وشم» بعد أكثر من ثلاثين عاماً قد حقّقت ما عجز عنه الآخرون...