الشاعر اللبناني خلع عباءة الصحافي ليذكّرنا به! لقد عاد، بعد عقدين، بديوان «شمس على طاولة» (دار الجمل) الذي يجمع بعض الجديد إلى نصوصه القديمة


حسين بن حمزة
نشر محمد علي فرحات باكورته الشعرية «بابل العصر» عام 1978، وأتبعها بمجموعة ثانية «بيان الخوف» (1984). بين الاثنتين، نشر نصوصاً نثرية بعنوان «كتاب الإقامة» (1982). كان ممكناً لتلك البداية الطبيعية أن تستمر إلى جوار التجارب التي ظهرت بين منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات، لكنّ فرحات ترك الشعر أو ربما توقف عن نشره. مرت السنوات. غرق في العمل الصحافي. القراء، وخصوصاً من لم يكونوا شهوداً على بداياته، راحوا يعتادون عليه صحافياً وينسونه شاعراً. لم يعد اسمه يُذكر في المتابعات النقدية، ولا في أحاديث الشعراء الجدد عن الأجيال التي سبقتهم. صدّقنا أن طاقة الشعر تسرّبت إلى الممارسة الصحافية، وأسهمت في تغذية الجملة الصحافية السريعة بمعجمٍ مختلف. صدَّقنا أن فرحات نفسه تكيَّف مع كونه شاعراً سابقاً، لكن ها هو ينشر مجموعة بعنوان «شمس على طاولة» (دار الجمل)، مذيّلاً إياها بطبعة جديدة من مجموعتيه السابقتين.
كأن الجمع بين ما سبق وما يعلن راهناً أشبه بصلة وصل ضرورية بالنسبة إلى الشاعر والقارئ معاً. هكذا، نجد تسلسلاً أو قرابةً ما للقصائد الجديدة مع أخواتها القديمات. الواقع أن فكرة القرابة ضرورية هنا. لا يختلف الجديد كثيراً عن القديم. كأن الانقطاع الطويل لم يبطل علاقة الشاعر بنبرته ومعجمه. ثمة ميلٌ إلى التكثيف والاختزال هنا، لكنّ الروح الشعرية المبكّرة لا تزال على حالها تقريباً. إنها روحٌ ذات خصالٍ شديدة النثرية. ثمة كتابة متفلّتة وغير مكترثة بمعايير وطموحات لازمت قصيدة النثر التي كانت تُكتب في تلك الفترة. كأن الدفقة الشعورية والمعجميّة تصنع النفس الشعري وتسبق المعطيات الأخرى. نحسّ أن فرحات نأى منذ البداية عن خوض سجالٍ شعري ونقدي داخل نصوصه. ليس يسيراً أن نخمّن اليوم المساحة التي احتلتها تجربته إلى جوار تجارب أقرانه ومجايليه، لكننا نعرف أن تلك اللحظة شهدت بدايات ما سيُنظر إليها لاحقاً على أنها منعطف شعري قوي لحداثة عربية ثانية.
بطريقةٍ ما، تبدو نصوص فرحات كأنها كتبت على حدة. لا نجد فيها تلك المقترحات والمجازفات التي حكمت تجارب أخرى. رغم هذا الاستنتاج الذي يحتاج إلى بحثٍ تفصيلي أكثر، لا يعود القارئ من نصوص فرحات خالي الوفاض. في النهاية، يمكن تجاهل فكرة حضور التجربة إلى جوار مثيلاتها، والتركيز عليها وحدها. هكذا، يصبح في استطاعتنا القول إن أعمال الشاعر السابقة وقصائده الجديدة محكومة بمزاجٍ أسلوبي واحد. قبل ذلك، لا بد من إشارة إلى أن القصائد الجديدة غير مؤرخة بعكس القديمة. هل هي قصائد قديمة لم تُنشر في وقتها، أم هي قصائد جديدة فعلاً؟ عدد هذه القصائد هو 11 فقط، وتحتل 25 صفحة فقط ضمن كتابٍ مؤلف من 160 صفحة. إنها ملاحظة تجعل قِدَم القصائد الجديدة مرجَّحاً أكثر.


نصوص متفلّتة لا تكترث بطموحات قصيدة النثر
نعود إلى القصائد، ونجد النبرة المواربة التي لا تذهب إلى الموضوع مباشرةً. جزءٌ كبير من جاذبية ما نقرأه عائد إلى الزاوية الخاصة التي يطلّ منها الشاعر على الفكرة أو المشهد. «يرى الماضي مهرولاً في الجانب الآخر من الطريق، حيوياً كعدّاء المسافات القصيرة»، يقول في واحدة من القصائد الجديدة. في أخرى، يكتب: «ومن زاوية السور أغصان شجرة الجيران، نملكُ زهرها الأحمر، وجذورها عندهم هناك». الحرب حاضرة بكثافة في القصائد القديمة، لكنّ الحرب «وسيلةٌ للشعر، لا الشعر وسيلة لها»، بحسب رأي الشاعر الراحل يوسف الخال المُثبّت على غلاف الكتاب. يرتفع منسوب النثرية هنا، وتطول الجمل المكتوبة على سطور كاملة، كما في قصيدة «مجد امرأة وحيدة» و«بالامايكا» المهداة إلى مهجّري الحرب: «غيراغوسيان يسكن بين العميان ويرسم/ عبد الحميد يبيع الدجاج في سوق النبعة/ وفي أوقات استراحته يؤسس الفن الحديث لجبل عامل/ فوزي يحلم بكل شيء/ .../ أمين في المقهى يفتش عن زبائنه القدامى/ إنه يربح كثيراً ويقول كل ليلة/ أين أنتم أيها النصَّابون الجميلون».
إنها كتابة منتصرة لشعرية اللحظة. شتّان إن كانت هذه الشعرية عالية أو منخفضة، حرة أو منضبطة. كأن الكتابة تحمل أعذارها معها. بالنسبة إلى القارئ المتطلّب، الشعر بات في مكان آخر، لكنه لا يجد غضاضةً في قراءة نصوص فرحات، والإحساس بمتعةٍ ما.