في «الأنسنة والإسلام ــ مدخل تاريخي نقدي» (دار الطليعة)، يفنّد المؤرخ والمفكر الجزائري التجليات التاريخيّة للأنسنة في السياق الإسلامي. لكن تقهقرها الراهن عندنا، بفعل تقاعس العقل النقدي، ألا يجد صداه في الغرب الذي تمخّض عن «نظام رأسمالي متوحّش»؟


ريتا فرج
لم يطرح مارسيل غوشيه خلاصاته بشأن الخروج على الدين، إلّا بعدما طوت أوروبا قروناً من الانغلاق العقائدي، مزحزحةً المقدّس على وقع أنسنة Humanism عالمية منشودة. وسط تفاقم الأصوليات، وعودة الديني بقوّة، وسطوة الرأسمالية المتوحشة، والاستبداد السياسي، يراجع العلّامة محمد أركون انبعاثات الأنسنة في التاريخ الإسلامي. في «الأنسنة والإسلام ـــــ مدخل تاريخي نقدي» (دار الطليعة ـــــ تعريب محمود عزب)، يعزو المفكر والمؤرخ الجزائري تجليات الأنسنة الأولى في السياق الإسلامي إلى القرن الرابع للهجرة، أي العاشر للميلاد. أحد أعلام ذلك العصر، أبو حيان التوحيدي، كان أوّل من قال: «إنّ الإنسان أشكل عليه الإنسان»، جاعلاً من الإنسان محور فلسفته الهادفة إلى إخراج الذات من انغلاقاتها. وأبو حيان في مقولته هذه، كما يقرأها أركون، يدعو إلى ربط العمل السياسي بالأخلاق الإنسانية، وخلق فضاء مناسب للتعميق الروحي عبر تجاوز الحواجز الدينية.
شهدت الأنسنة العربية ـــــ الإسلامية انتكاستها الأولى في القرن الحادي عشر للميلاد، مع تبلور ما سمّاه أركون «السياسة السُنيّة التقليدية». أنتجت هذه الأخيرة مسلكاً دوغمائياً يقيِّد التعددية العقائدية، وما رافقها من ظهور السلاجقة في عام 1038م، ثمّ العثمانيين في عام 1453م، وما قابله من ترسيخ للشيعية الإمامية ديناً رسمياً للدولة الصفوية.
الأنسنة عند أركون تعني خلق فضاء أرحب للنقد والتلاقي الثقافي. إنّها التأسيس للتعدد المتولد من الوحدة، والقائم على التثاقف بين الحضارات والإثنيات، لا الإثقاف، أي فرض ثقافة مهيمنة على قوميات وأمم أخرى. والرونق الذي شهدته الأنسنة، ما لبث في رأيه أن اضمحل تحت وطأة التمذهب بوجهيه السنّي/ الأرثوذوكسي والشيعي/ الصفوي... فلماذا وقفت مسيرة الأنسنة في الإسلام حسب أركون؟ وهل الصدام بين الحداثة والمسيحية المتشدّدة، هو ما أدّى إلى انتشار الأنسنة في الدائرة الغربية؟ يفنّد المفكّر البارز هذه الإشكاليات بمنهجية استقرائية، مقارناً بين سياقي الأنسنة بتمثلاتها التاريخيّة في الغرب والشرق.
في كتابه الذي دخل حديثاً إلى المكتبة العربيّة، يواصل أركون الحفر في سياق معرفي رافقه منذ «معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة» (2001): إمكان التواصل بين الجماعات الثقافية والطائفية، ومدى معرفة أهل الأديان التوحيدية بعضهم للبعض الآخر، هما محورين أساسيّين في طرح المفكر الجزائري المقيم في باريس. المسيحية الأرثوذوكسية واليهودية المتشددة لا يفهمان الإسلام إلّا من منظار العنف، والإسلاموية بدورها تتجادل مع العالم من خلال الرؤى النمطية ذاتها. ويعتبر أركون أن البشرية، إذا أبقت ثنائية الخير والشر، فلن تفلح في تخطّي انقساماتها، وخصوصاً أن الجماعات البشرية في الشرق والغرب تتعرّض حاليّاً لغزوة جديدة، هي عودة الديني بمعناه الأصولي.
هنا نُحيل القارئ إلى كتاب جورج قرم «المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين» (دار الفارابي) ليرصد الإحياءات الجديدة للهويات الدينية وتوظيفاتها. طفرة تعوق قيام ما اصطلح أركون على تسميته «ميثاق أنسني يجمع البشرية في إنتاج تاريخ تضامني». يعزو أركون غياب الأنسنة في ديار الإسلام إلى غياب العقل النقدي، متحرّياً دور المثقف ومهماته. يعود بنا إلى مسلك النقد البنّاء للدوغمائيات العقائدية وتدرّجها الجدلي نحو الأنسنة، كما تجلّت مع ابن خلدون وابن رشد والجاحظ والتوحيدي. هؤلاء وغيرهم كانوا «يمارسون نقد المعارف من دون الخضوع التام للعقيدة». لقد تمكن العقل الفلسفي النقدي من إعلاء رايته بدءاً من عصر


ماذا يعوق قيام «ميثاق أنسني يجمع البشرية في إنتاج تاريخ تضامني»؟

المأمون، مروراً بعهد البويهيين، وتابع مسيرته حتى خفوته بعد النصر الذي حقّقه «حراس العقائد» كما يسميهم الكاتب. هنا يسأل: لماذا تلجأ مجتمعاتنا الراهنة إلى الدين للإجابة عن قلقها المجتمعي؟ ولماذا استمرّت القطيعة مع العقل النقدي منذ القرون الوسطى؟ أزمة الإسلام في رأي الكاتب تكمن في هذه القطيعة. لهذا، تتسع دائرة العنف والاستبداد السلطوي والمجتمع البطريركي. عند خروج الإسلام من وضعيته المتشظية، سيمتلك فضاءً معرفياً أرحب للتعارف والتحاور، بالاعتماد على الثلاثية التي وضعها فرانسوا بيرو كأقنوم لكلِّ تقدم: الابتكار، والانتشار، والافتكار.
بحسب أركون، انعتقت أوروبا من عصور الظلام بسبب ثلاثة عوامل: الثورات العلمية والثقافية، دور البرجوازية الفاعل، والثورات الشعبية. تلك الثلاثية لم تتبلور عند العرب والمسلمين بعد. هم لا يسهمون فعلياً في الثورات العلميّة، والبرجوازية فقدت دورها بفعل الاستبداد السياسي أو طمعاً بالسلطة. أمّا الجمهور فمضلّل بخطاب سياسي/ ديني ملتبس.
خروج أوروبا من أزمتها بدءاً من الثورة الفرنسية، أنتج فصلاً بين الديني والسياسي. لكنّ الغرب الذي أنتج نظاماً رأسمالياً متوحشاً، على حد تعبير بيار بورديو، انفصل عن الأنسنة، فما برح يتمدد ويولّد الحروب خارج مجاله الجغرافي: باسم الحرب على الشيوعية تارةً، والإرهاب الإسلاموي طوراً. الغرب بدوره، إذاً، يعيش أزمته مع الأنسنة كما ينادي بها أركون. فهل تتحقق نبوءة هيغل: «العقل سيحكم العالم والمجتمعات البشرية سائرة نحو الالتقاء رغم تجدد الحروب والصراعات»؟