بيار أبي صعب

ربّما كان علينا أن نشكر رندا الشهّال (١٩٥٣ ــــ ٢٠٠٨). السينمائيّة المشاكسة جاءت تسألنا عمّا فعلناه منذ رحيلها، كي نرفع سقف حريّة التفكير والإبداع في هذا البلد الذي يعيش حالة فصام دائمة. هناك في لبنان ما ندعيه وما نعيشه، ما نقوله في الفضاء العام وما نفكّر (أو نشعر) به في سرّنا، الصورة التي نعطيها عن أنفسنا وحقيقتنا الفظيعة الرابضة خلف الواجهة البرّاقة. كأننا، في النهاية، لسنا إلا «قرطة عالم مجموعين» كما في الأغنية الشهيرة: خلطة عجيبة لا تصنع وطناً ولا دولة، لا شعباً ولا ثقافة!
قبل أيّام برمج تلفزيون «الجديد» فيلم رندا الشهّال الأخير «طيّارة من ورق» (الأسد الفضّي في «مهرجان البندقيّة» ــــ 2003). لكن المبادرة التي تستحق التحيّة، أجهضها مواطنون قرّروا أن الشريط يسيء إلى طائفتهم. هكذا بكل بساطة، نزل عشرات الرجال إلى الشارع، ثم تدخّلت قيادتهم الروحيّة وزعاماتهم السياسيّة، وطلب الجميع بصوت واحد عدم عرض الفيلم الذي يحكي عن الاحتلال الإسرائيلي وعن وضع المرأة. وكان ذلك كافياً كي تتغيّر برمجة المحطّة التي تتوجّه إلى مشاهدين في العالم الواسع. السؤال، بعد تلك الحادثة العبثيّة، هو: ما حاجتنا إلى مؤسسات ومحاكم، ما دامت الجماعات تسترد حقوقها بيدها، مباشرة من رئيس مجلس إدارة التلفزيون؟ هل شاهد المحتجون وزعماؤهم الفيلم؟ من يقرّر إذا كان مسيئاً إليهم حقّاً؟ هل علينا أن نحمي الطوائف من «إساءات» الفن، وهي كثيرة حكماً، أم أن نحمي الفنّ من «رقابة» مجتمع أهلي يعود في بنيته وذهنيته إلى القرون الوسطى؟ أو بالأحرى تعالوا نكتفِ بسؤال واحد: هل من الضروري أن نقرأ كتباً، ونشاهد أفلاماً وعروضاً، في وطن (ثورة) الأرز؟