مسيو HULOT... أهلاً بك في «بيروتفيل»


بيار أبي صعب
الأسبوع الاستعادي الذي انطلق قبل أيّام في بيروت، لأفلام جاك تاتي (١٩٠٨ ـــــ ١٩٨٢)، يكاد يمرّ من دون الحفاوة المتوقّعة. المعلّم الفرنسي ذو الجذور السلافيّة والهولنديّة والإيطاليّة، يحلّ ضيفاً على مدينة المفارقات العبثيّة بامتياز. مدينة من شأنها أن تشحن بأبعاد جديدة أعماله الكوميديّة القائمة عند الشرخ بين زمان وآخر، بين عالم وآخر، عند المنعطفات والتحوّلات الكبرى. بيروت، من شأنها أيضاً أن تتعرّف إلى نفسها في أفلامه التي تلعب على التفاوت الخصب والديناميكي بين الواقع وبين طريقة النظر إليه وتصويره...
«أهلاً بكم في Tativille» هو عنوان التظاهرة التي تحتضن أفلام تاتي في «ميتروبوليس أمبير صوفيل»، بحضور ستيفان غوديه أحد أبرز اختصاصييه. كذلك تعرض تجارب عربيّة تتحاور معه بشكل من الأشكال: الثنائي خليل جريج/ جوانا حاجي توما، وخصوصاً إيليا سليمان (بعد غد الأربعاء في الختام). تاتيفيل، أي مدينة تاتي الخرافيّة التي شيّدها المخرج بتفاصيلها في الاستوديو، هو المولع بالأكسسوارات والأشياء، يبني حولها مواقفه الهاذية، من الدرّاجة الشهيرة إلى الغليون الأشهر... لم يتردد تاتي في إعطاء البطولة المطلقة للديكور في «بلايتايم»، أبرز أفلامه القائمة على حسّ هندسي واضح.
يندرج الأسبوع ضمن البرنامج الغني الذي تقدّمه «البعثة الثقافيّة الفرنسيّة» هذه الأيّام تحت عنوان «طوباويّات (*)». وإذا كان من شخص يجسّد بشكل نموذجي يوتوبيا الفنّ، فهو جاك تاتي. صاحب PlayTime الذي دخل تاريخ السينما بستة أفلام روائيّة طويلة فقط، لم ينجز سواها على امتداد ثلاثين عاماً، وفشل أكثرها تجاريّاً، هو أحد هؤلاء العباقرة الملعونين الذين عرفهم الفنّ السابع، من أورسون ويلز إلى روبير بروسون مروراً بكارل دراير. أخذ السينما إلى قوالب خاصة، من الشريط الصوتي إلى تركيب الكادر، تاركاً للمشاهد دوراً أساسيّاً في اختيار حقل الرؤية، ضمن اللقطة المؤلّفة من مستويات عدّة. لقد أبدع «ديموقراطيّة الضحك»، وخاطر في تهميش «مسيو Hulot»، الشخصيّة الشهيرة التي يؤدّيها، ما أبعده عن النجاح التجاري: فالجماهير في حاجة إلى التماهي مع شخصيّة كوميديّة واضحة. أما ديكور «بلايتايم»، أحد روائع السينما، فقد أدّى إلى إفلاس جاك تاتي مدى الحياة.\النجاح الجماهيري اقتصر على شريطيه الأوّلين «يوم عيد» (١٩٤٩) مع شخصيّة ساعي البريد الشهير ومفارقاته الكوميديّة التي تأخذنا إلى فرنسا الريفيّة المتململة على أبواب الحداثة، ثم «السيد هولو في إجازة» (١٩٥٣): في غمرة


أسبوع استعادي يختتم بباكورة إيليا سليمان

اكتشاف فرنسا للإجازات المدفوعة، كيف يندمج هذا الرجل الطيّب والعبيط مع مصطافي البلدة البحريّة المقيّدة بقواعدها الاجتماعيّة؟ بعد ذلك جاء «خالي» (١٩٥٨) ليحيّر النقاد، ويحكي تلك المواجهة بين السيّد هولو نفسه، صنو شارلو وباستر كيتون، وصهره المحدث النعمة الغارق في آخر الاختراعات التقنيّة. أما رائعته لجهة البنية السينمائيّة والدراميّة، «بلايتايم» (١٩٦٧)، أي الاستراحة التي يطغى فيها اللعب على الوقت، فتضعنا أمام المدينة المستقبليّة بآخر ابتكاراتها التكنولوجيّة، وأبراجها التي يضيع فيها السيّد هولو تماماً. أفلس تاتي، ولم يستطع الجمهور اللحاق به، فلم ينتج حتى رحيله في ١٩٨٢ سوى شريطي Trafic (١٩٧١)، وParade (١٩٧٤) اللذين يعرضان الليلة وغداً في بيروت.
لدى بروز إيليا سليمان، وجد نقاد عدة علاقات كثيرة مع تاتي. هناك طبعاً ذلك المرح البارد الذي لا يشرح، ولا يناضل، ولا يكاد يتكلّم. وقلّة الحوارات التي تجعل من السيناريو مجموعة اسكتشات ومونولوغات متوازية. هناك أيضاً وجود إيليا الدائم في أفلامه مثل تاتي... لكن الأهم ربّما في تلك «القرابة»، هو تيمة «الاختفاء» التي أعطت المخرج الفلسطيني عنوان باكورته الروائيّة. لقد حقق أنكل تاتي فيلماً ضخماً هو «بلايتايم»، ليشتغل على محو بطله هولو داخل الجماعة، المختفية هي الأخرى في هذا الصرح العملاق الذي يبشّر بالمستقبل. هل قلت أبراج المستقبل؟ سيّد Hulot أهلاً بك في بيروت.

للاستعلام : 420243 /01