حول معرضه اللندني «انعكاس الوعي»تجتمع في الشكل الواحد عناصر متناقضة، أو يختبئ الموضوع خلف بياض مُبهم. الفنان الذي ينتمي إلى جيل الفن المعاصر، يحاصرنا بتفاصيل مربكة تقول وعيه المأزوم

قد تكون مفارقة أن يختبر بشّار الحروب (1978) حريته الفيزيائية في بريطانيا التي كانت السبب المباشر لاحتلال وطنه. هذا الفنان الذي ولد في القدس، ثم انتقل عام 2002 إلى رام الله حيث أسر في «معتقل عوفر»، لا يقف عند الألم الفلسطيني بمعناه السياسي، بل يتجاوزه إلى مساحات أكثر تعقيداً. ثمة اشتباك غير عادل مع المكان، وانسجام قلق مع الحرية، وهي سمة عند الفنانين الفلسطينيين الشباب، حيث النظرة إلى السكينة المفترضة تقودنا كثيراً إلى مساحات مستفزة وعصابية.
«انعكاس الوعي» هو العنوان الذي يطلقه بشّار الحروب على معرضه الحالي في «قاعة موزاييك» اللندنيّة. هنا، يجسّد تقلبات الوعي بين مكانين، مؤسِّساً لعلاقة مستحيلة بينهما. اختبارات بصرية تعكس التسليم باغتراب جسدي ونفسي، بلغ ذروته منذ معرضه السابق «مونولوج داخلي». تشبه أعمال الحروب مصيدة بصرية. يقتنص فيها تفاصيل داخلية مُربكة ويعيد تكوينها بوعي مأزوم.
عمله «هنا والآن» هو سلسلة فوتوغرافية تربط بين الجسد والأرض، في فضاء جغرافي متغيّر. في هذه التجربة، ثمة مشهدية أدائية لما يمكن افتراضه حالة اندماج كلي مع المكان، بواقعه البيئي الطبيعي أو المدني: الساحات العامة وإشارات المرور... لا يترك الحروب الجسد بصيغته المألوفة، بل يتدخّل فيه عبر تحريف الرأس الذي يضع مكانه مرايا تعكس المحيط، وتدمجه عضوياً في المكان الذي هو فيه. الجسد المغمور بالسواد، يبدو في جميع المشاهد طارئاً على المكان. يقول بشّار: «تجاربي لا تقدم أجوبة، بل تحاول وضع المشاهد أمام حقيقة داخلية نعيشها، ونتأقلم معها، من دون أن ندرك مدى الألم الذي تتركه داخلنا».

ذهنية تتجاوز الجماليات التقليدية في العمل الفني
انعكاس الوعي في هذا المعرض ليس نتيجة. ما نراه من اختبارات بصرية هو إعادة قراءة للذات وانفعالاتها، إذ تبني علاقتها بالمكان الجديد بخيوط لامرئية، من دون تجاهل عوارض الحنين التي لم يستسلم لها. هذه المرة، يجلس خارج الدائرة، يختبر مؤثرات تختلط فيها الدهشة واللامبالاة، ويعيد ترتيب جملة من أولويات بصرية عبر تخليص أعماله (فوتوغرافيّة، فيديو، تجهيز) من البلاغة والوصف والحكائية، لتتمحور حول حالة جوهرية يكررها وفق إيقاعات مختلفة. تستند أعماله إلى وعي بصري واضح. تجذبه لعبة تأسيس مشهد في الفضاء، وخلق توازنات عفوية وأدائية بين مقومات العمل الذي يصير مساحة للسكينة حيناً، وللاستفزاز في أحيان كثيرة. وإن كان بشّار الحروب صار اليوم أكثر ميلاً إلى الاختزال والإيحاء، إلا أنه لا يزال يحتفظ بجنوحه القديم إلى خلق شراكة من نوع خاص مع المتلقّي. وتجدر الإشارة إلى كونه شارك في مشاريع تفاعلية عدة، مثل «ورشة الفنانين الدولية ـــــ 2008»، حيث رسم قططاً على جدران بيوت قرية شطنا، شمال الأردن، بعدما اكتشف أنّ القرية لا تعيش فيها القطط.
تراهن أعمال هذا الفنان الفلسطيني على ترك أثر عند متلقيها، وتحمل في تفاصيلها جملة محفزات خاصة: حين يجمع في الشكل الواحد عناصر متناقضة، أو حين يتوارى الموضوع خلف بياض مُبهم... كأنه يعوق سهولة التلقي، بعد فرز متقن لعناصر كالشكل والموضوع والمادة، وسردها بأسلوب مركّب يخلق تأثيرات بصرية مُنفرة ومربكة. يبدو ذلك في أعمال الفيديو التركيبية «لا وقت لا مكان» التي تقوم على بنائية قاسية، وصارمة، وحافلة بتشويش قصدي هدفه تضييق مساحة الرؤية، وتغريب الموضوع. الانتقائية والربط بين الشكل النمطي وما يمكن أن يحمله من مدلولات، من أبرز سمات تجارب التجهيز التي يقدمها تحت عنوانين، هما «توازن» و«هشاشة». وفيهما محاكاة ذهنية تتجاوز تأثيرات الجماليات التقليدية في العمل الفني. يمتثل بشّار الحروب في تطوره الفني لنداء داخلي عفوي. نتخيل إيقاع الحركة المختنقة، وهو يجرب العيش الآن في بلد لا معبر فيه ولا حواجز. كل شيء جائز، من وجهة نظر جديدة تكشف عن جوانب مختلفة في الفن الفلسطيني المعاصر.
حازم...

حتى 3 حزيران (يونيو) ـــــ The Mosaic Rooms (لندن) - 00442073709990