لم يكن اغتيال الصحافي سردشت عثمان إلا الشرارة التي أطلقت تحركات الإعلاميين العراقيين الذين يعانون من العنف والاعتقال والتصفية الجسدية. تظاهرة اليوم قد تمهّد لحملة إعلامية واسعة لوقف كمّ الأفواه


بغداد ــ حسام السراي
«أينما انتهت حياتي، فليضع أصدقائي نقطة السطر، وليبدأوا هم بسطر جديد». هذه هي آخر كلمات كتبها الصحافي سردشت عثمان قبل أن يُختطف في أربيل، ليُغتال برصاصات غادرة وتُرمى جثته في الموصل (شمال العراق). جاء قتل الصحافي الشاب بعد كتابته ثلاث مقالات في موقع «كردستان بوست»، حملت عنوان «أنا أعشق بنت مسعود البرزاني»، و«الرئيس ليس إلهاً ولا ابنته»، و«أول أجراس قتلي دقّت». وكتب عثمان في افتتاح مقالته: «في الأيام القليلة الماضية، قيل لي إنّه لم يبق لي في الحياة إلا القليل، وكما قالوا إن فرصة تنفّسي الهواء أصبحت معدومة. لكنّني لا أبالي بالموت أو التعذيب. سأنتظر حتفي وموعد اللقاء الأخير مع قتَلتي، وأدعو أن يعطوني موتاً تراجيديّاً يليق بحياتي التراجيديّة».
وفيما أعربت منظّمة «مراسلون بلا حدود» عن قلقها من تعرّض صحافيّين عراقيّين لخطر الموت، فإنّ موقع «كتابات» الإلكترونيّ كان مسرحاً لحملة تضامن مع الصحافي القتيل سردشت عثمان.
«كتابات» الذي رُفعت عليه دعاوى قضائيّة عدة لتغريم القائمين عليه، بسبب نشره مقالات انتقدت بعض السياسيّين، اختار هذه المرة فتح صفحاته ليعبّر الكتّاب والصحافيون العراقيون عن استنكارهم لما حصل لزميلهم. وأبرز هذه المقالات: «أنا أيضاً أحبّ بنت مسعود البارزاني ـــــ رسالة إلى سردشت» للشاعر أحمد عبد الحسين، و«انهيار الجبل الآمن» للصحافي زياد العجيلي، و«درس سردشت» للشاعر والكاتب عبد الستار جبر، و«سردشت عثمان، حلاج الكلمات» للكاتب شمخي جبر.
واللافت أنّ اللهجة التصعيدية التي بدأ يستعملها الصحافيون العراقيون وصلت إلى مستوى غير مسبوق. ويُتوقّع أن يستمرّ الوضع على هذه الحال في انتظار أن يتغيّر سلوك السياسيين العراقيين. وعصر اليوم، ينظّم الصحافيون العراقيون تظاهرة أمام تمثال شهريار في بغداد، بعد تقرير «مرصد الحريّات الصحافيّة» السنوي الذي لا يدعو إلى التفاؤل، إذ أعلن أنّ هناك «262 انتهاكاً في حق صحافيّي العراق، تراوحت بين الضرب والتضييق والقتل والاختطاف»، وخصوصاً في حق الصحافيين الذين يمتلكون حسّاً نقدياً ضدّ ما يجري في البلاد من فساد ورتابة سياسية.
وحتى الساعة، يبقى الصحافيون من أكثر المؤمنين بتجربة العراق الحرّ والمستقل، في ظل تداول سلميّ للسلطة واحترام الحقوق والحريات، ومنها حقّ حريّة التعبير. كذلك لا يزال الصحافيون أكثر من يعاني من بطش السلطة: هنا رجال أمن يضربون إعلامياً ويلقون به أرضاً وهو يدخل إحدى المؤسّسات الرسميّة، وهناك برلماني يهدّد مراسلاً لإحدى القنوات الفضائيّة بالتصفية الجسديّة... يحصل ذلك في وقت يحاول فيه السياسيون الفاسدون شراء ذمم صحافيّين من تلك الجوقة القديمة التي جمّلت الحروب وصانعيها طيلة ثلاثة عقود من عمر الخسارات العراقيّة المتوالية.
وفي ظل هذه الصورة السوداوية، يبدو نبأ اتفاق «مرصد الحريات الصحافية» مع «أمانة بغداد» على إقامة «نصب حرية الصحافة والتعبير» مضحكاً ومبكياً بالنسبة إلى أم سردشت عثمان، وعائلة سحر الحيدري (اختُطفت وقُتلت في الموصل عام 2007)، وشهاب التميمي (نقيب الصحافيّين العراقيّين الذي اغتيل عام 2008 )، ومروان خزعل الماجدي (اختُطف عام 2006 ولم يُعثر عليه حتّى اليوم)... فضلاً عن أعداد أخرى من الإعلاميين الذين تعرضوا للتضييق من جهات سياسيّة تستقوي بسلطة الدين أحياناً، وتريد أن تضع يدها على الإعلام.
ولا تزال التهديدات تلاحق الصحافيّين على امتداد الأرض العراقيّة. وخلال الأسبوع الماضي، شملت التهديدات الصحافيَين هلكرد صمد عضو (مجلة «ليفين») وإحسان ملا فوآد (جريدة «ئاوينة») في مدينة كفري. كذلك تعرّض زملاء لهم للإهانة والشتم ومصادرة بعض المعدات، ليكون مجموع الصحافيين المُعتدى عليهم في أربيل والسليمانية 14 صحافيّاً... وفق ما جاء في تقرير «مرصد الحريات الصحافية» ومركز «ميترو».


أحصى «مرصد الحريات الصحافية» 262 انتهاكاً في حق الإعلاميين العام الماضي

وليس غريباً أن تستمرّ انتهاكات حقوق الصحافيّين، في ظل عدم توافر البيئة القانونيّة والاجتماعيّة اللازمة لضمان حريّة التعبير. وليس مدهشاً أن تتعرّض صحيفة مموّلة من المال العام، كصحيفة «الصباح» اليوميّة، لمحاولات التضييق وتحديد حريّات كتّابها. كذلك فإنّنا لن نصاب بالذهول إذا عرفنا أن ملحق «أدب وثقافة» الأسبوعيّ الصادر عن صحيفة «الصباح»، قد أُجّل إصداره قبل أسابيع بسبب صورة من وحي «ألف ليلة وليلة» فيها إيحاء حميميّ، للأسباب المذكورة نفسها.
الاحتمالات في العراق مفتوحة على خيارات عدة، وقد بدأت تعلو أصوات المعترضين والداعين إلى الإضراب والاحتجاج. ومن الممكن أن يتطوّر الأمر إلى «عصيان مدنيّ» تطلقه التجمعات الصحافيّة، ومعهم الصحافيون المستقلون غير المرتبطين بمصلحة مع هذا الحزب أو ذاك الزعيم أو المسؤول الحكومي.


القانون... الآن!

أصدرت منظمة «مراسلون بلا حدود» بياناً، الأسبوع الماضي، أعلنت فيه استنكارها لـ«الاعتداءات التي يرتكبها الجيش الأميركي والجنود العراقيون والجماعات المسلّحة في حق الصحافيين العراقيين». وأعلن البيان أنّه منذ مطلع الشهر الحالي جرى التهجّم على ما لا يقل عن ثلاثة صحافيين. وأعلنت المنظمة: «نذكّر مجدداً بأن تبنّي مشروع قانون يُعنى بحماية الصحافيين قد يسمح بتحسين ظروف عمل الإعلاميين. ويبدو أن تأخّر البرلمان في مباشرة النظر في مشروع القانون المؤجَّل باستمرار منذ أيلول (سبتمبر) 2009 هو السبب الأساسي لاستمرار الاعتداءات المرتكبة بحق الجسم الصحافي العراقي».