مروان عبادو: ويبقى «موّاله» فلسطين




سلسلة حفلات أحياها الموسيقي الفلسطيني، مع فرقته المتعددة الجنسيّات، في الذكرى الستين لتأسيس «الأونروا». بعد عمّان ودمشق، محطة الختام الليلة في بيروت

عمان ــــ أحمد الزعتري
وصل الموسيقيّ النمساويّ ــــ الفلسطيني إلى الأردن، في أجواء سياسيّة متوتّرة. تزامنت زيارته مع صدور بيان لـ«اللجنة الوطنية العليا للمتقاعدين العسكريين» عن توطين اللاجئين الفلسطينيين، أثار استياء الأردنيين من أصل فلسطينيّ بسبب نبرته اليمينيّة والشوفينيّة... في المقابل، صدر بيان آخر عن السياسيّ المخضرم أحمد عبيدات يرفض تلك النبرة، مؤكداً عدم التناقض بين الهويتين الأردنيّة والفلسطينيّة. ليس هذا مقالاً سياسيّاً عن النقاش الحاصل حول الهوية الأردنية المركّبة، لكن تلك الخلفيّة أعطت للمناسبة بعداً إضافيّاً... ومنحت موسيقيّاً مثل مروان عبادو (1967)، فرصةً ثمينة لاستعادة دور الفن وعلاقته بالسياسة، في زمن «الخدر العربي» حيث بات الإبداع معزولاً عن شؤون الحاضرة، عاجزاً عن مخاطبة وعي الناس والتأثير في وعي الجماعة...
في حفلته «وتبقى فلسطين موّالي» التي أقامها على «مسرح مركز الحسين الثقافي» في عمّان، دخل عبادو مباشرة في صلب هذا النقاش. بعد انتهاء أغنية «في الشارع» التي لُحِّنت على مقام أفريقيّ، استوقف عبادو فرقته لشرح تقنيّة «طقطقة اللسان» مع الدندنة في آن، معلّقاً «يمكن الشخص أن يكون أردنيّاً وفلسطينيّاً معاً».
هذا الموقف يستدعي أيضاً سبب جولته في الأردن وسوريا ولبنان التي يعود ريعها لمشاريع «الأونروا» في الذكرى الستين على تأسيسها. سبب الجولة أيضاً ينقلنا إلى اللاجئ «السابق» المولود في «مخيم ضبيه» في لبنان، ثم هاجر إلى النمسا عام 1985. هكذا قدّم عبادو حفلته دعماً للاجئين الراهنين؛ مع فرقته المتعددة الجنسيّات التي تضمّ جوانا لويس على الكمان (أستراليا)، وبيتر روزمانيت على الإيقاعات، وميخائيلا ليبرمان على البيس غيتار (النمسا)، ومجيك غولبيوفسكي على الكلارينت والدودوك (بولندا).
مروّجاً لاسطوانته الأخيرة «نرد» (2009)، يقدّم عبادو وفرقته برنامج الحفلة نفسها في عمّان ودمشق وحلب وصيدا وبيروت الليلة. اعتمد البرنامج على مقطوعات وأغاني الأسطوانة الأخيرة مثل «هزّة» و«يا رايحين عالبلد»، مع مقطوعات وأغانٍ اشتهر بها عبادو، مثل «مراكب»، و«هويلو».
تبقى تجربة عبادو في منطقة ناعمة أو قطنيّة، غير مزعجة وغير مستفزّة. على مدى ستّ أسطوانات من «دواير» (1996) إلى «قبيلة» (2005) مروراً بـ«نرد»، تبلورت تجربة تحاول الابتعاد عن الموروث الفولكلوريّ الفلسطينيّ والعربيّ، عبر الاندماج في تجربة التوزيع الآلاتي الغربيّ. وأبرز ملامح هذه التجربة اندراجها تحت راية التفاعل العربيّ والغربيّ، عبر قيادة الموسيقيّ العربيّ فرقاً متعددة الجنسيّات. نماذج هذه الظاهرة كثيرة منها: أنور إبراهيم، وظافر يوسف، ونجيب الشرّادي وعابد عازريّة...


تأثّر بمرسيل خليفة وأحمد قعبور وخالد الهبر والشيخ إمام
هذه التوليفة جعلت عبادو يطمئن لأقرب الآلات الموسيقيّة الغربيّة إلى شرقيّتنا: الساكس والكلارينت. ومع (عالميّة) إيقاعات بيتر روزمانيت، وصوت عبادو الذي لا يقترح أداءً تطريبيّاً، يمكن الحديث عن تجربة شعبيّة، تتشبّع حداثتها من براعة الموسيقيين الغربيين المرافقين. وبالنظر إلى خلفيّته الموسيقيّة، نجد هذا الأثر الشعبويّ واضحاً. من خلال تأثره بمرسيل خليفة وأحمد قعبور وخالد الهبر والشيخ إمام، أوجد عبادو خلطة من كل هؤلاء في اختيار المواضيع والالتصاق بالأرض، والحنوّ النوستالجي إليها بعيداً عن الشعاراتيّة وتمجيد الأشخاص.
لطالما كانت فناننا يسير في هذا الاتجاه. قبل أن يهاجر إلى النمسا، كان يهرب من المدرسة ليغنّي مع فرقة بيروتيّة سياسيّة في الثمانينيّات. وفي النمسا، نشط كممثل للطلاب الأجانب في اتحاد الطلبة الوطنيّ. وأقام ورشات عمل عن الموسيقى الشرقيّة. ليس عبادو موسيقيّاً يستدعي اللحاق به إلى حلب أو دمشق أو بيروت، ولا يمكن فعلاً الحديث عنه كنجم، إلا أن الفضول يدفعنا، مرة تلو أخرى، إلى حضور حفلاته لمتابعة تجربته التي نضجت خارج بيئته الأصليّة... لنجد كل مرة أن الموسيقى لا تزال في مكانها: وادعة ومشذّبة بعناية، لكننا نحبّها أن تتشاقى.


8:30 مساء اليوم ــــ «قصر الأونيسكو» (بيروت) ــــ للاستعلام: 01/786680