نجوان درويش

ليس أمراً جديداً. الشعوب المستعمرة ـــــ تحديداً سلطاتها الناشئة ـــــ تتقمص الاحتلال، وتمارس تقنياته السادية على «محكوميها». هذا ما تفعله «سلطة غزة» التي «ذوّتت»، على ما يبدو، قمع أجهزة «السلطة الفلسطينية» التي «ذوّتت» من قبل قمع الاحتلال. قبل أيام، وصلتنا قصة مواطن اسمه جمال أبو القمصان، صاحب «غاليري الاتحاد» في غزة، وشاهدنا صوراً تحمل آثار التعذيب على مؤخرته! بدأت القصة بـ«مداهمة» الغاليري، واستدعاء صاحبها للتحقيق. تفاصيل عملية التحقيق التي يروي أنه تعرّض لها على يد شرطة «حماس»، تذكِّر بتقنيّات الاحتلال وساديّته والسهولة التي تستباح بها كرامة الناس، وتذكّر حتى بالتعذيب الذي يمارسه «أمن» نظام مبارك على المصريين والفلسطينيين. «التحقيق» بحسب أبو القمصان، كان خليطاً من سؤاله عن «عدم أخذ تصريح لمعرض فني»، والتحقيق معه عن علاقاته الجنسيّة. المحققون قالوا له إنّ هناك عملاء يترددون على الغاليري. هل العمالة أو توهمها ذريعة للتلصص وامتهان كرامة مواطن بريء حتى تثبت إدانته؟ يا له من شكل كاريكاتوري لمكافحة التجسس! وإن كانت القصة عند سلطة «حماس» الآن، فإن جذرها موجود عند الأجهزة الأمنية «للسلطة الفلسطينية» منذ إنشائها، وصولاً إلى زمن الجنرال الأميركي كيت دايتون: إضافة إلى «تذويت» الممارسة الاحتلالية، أحضر بعض أجهزة أمن السلطة تقنيات أجهزة القمع في الأنظمة العربية، كتصوير أفلام جنسية للابتزاز (أعادتها إلى الواجهة هذا العام فضيحة مدير ديوان رئيس السلطة رفيق الحسيني). وإن كانت أجهزة «حماس» ترفّعت عن استغلاشل الأفلام الجنسية، فاستجوابها لحياة المواطنين الجنسية لا يبتعد عن تلك الذهنية. بعيداً عن موّال «ظلامية حماس» الذي سيطالعنا به «ليبراليّو الأسرلة المستترة»، تعليقاً على قصّة جمال أبو القمصان، هل يمكن فتح نقاش مع مسؤولي «حماس» ـــــ من موقع المقاومة ـــــ عن الحريات في غزّة، وكارثة سحب «ثقافة» حماس على ثقافة المجتمع الفلسطيني القائمة على التنوع واحترام الاختلاف؟ وفي البال ذكريات مؤسفة لسلوك أول وزير ثقافة في حكومة «حماس» بدأ عهده بـ«محاربة» الرقص الشرقي، وفرض الحجاب على موظفات وزارته. ترى، ما هو مصير الحريات في غزّة، وفي الأراضي الفلسطينيّة المحتلة عموماً؟ هل هناك مقاومة بلا حريات شخصية وفكرية؟ هذه مسائل كنّا نظنها من البديهيات، فإذا بنا نجد أنفسنا مجبرين على العودة إلى نقطة البداية...