بعد التجريح بالجزائر جاء دور الأقباط

صاحب «بوكر» الذي دافع كثيرون عن روايته «عزازيل» عندما هاجمتها الكنيسة القبطية، انفضّ عنه المثقفون المصريّون، وبات اليوم وحيداً في مواجهة المحكمة

القاهرة ــــ محمد خير
اشتهر يوسف زيدان بوصفه مؤلف رواية «عزازيل». لكنّ القرار الذي صدر أخيراً بإحالة صاحب «بوكر» العربية (2009) على نيابة أمن الدولة المصرية، لا علاقة له بالرواية الشهيرة، وإن لم يبتعد كثيراً عن أجوائها. وفي وقت وجد فيه زيدان سنداً من مثقفين إبّان أزمة روايته مع الكنيسة المصرية، فإنّه لا يجد اليوم العون نفسه. ليس فقط لأنّ ماءً كثيراً جرى تحت الجسر منذ أزمة «عزازيل»، بل لأن التصريحات المنسوبة إليه عن العقيدة المسيحية، يصعب تفهّمها وفق أيّ سياق، فضلاً عن الدفاع عنه أو عنها.
«التأثر بالأساطير جعل المسيحيين يعتقدون أنّ الله هبط لينقذنا. طب ما ينقذنا وهو فوق»: ليست العبارة السابقة سوى بعض من تصريحات زيدان التي أثارت الأزمة. العبارات أدلى بها خلال ندوة نقلها موقع جريدة «اليوم السابع». وتابع زيدان متحدثاً عن عصور ما قبل الفتح العربي لمصر، ومدارس الكنائس المصرية: «العصور التي سبقت مجيء عمرو بن العاص، كانت أكثر ظلاماً وقسوة على المسيحيين، وما يلقّنونه للأطفال في مدارس الأحد ويحشون به أدمغة القاصرين، ما هو إلّا أوهام وضلالات تجعلهم في عزلة عن المجتمع. لهذا يسهل على الكنيسة استخدامهم سياسياً».
لم يكن صعباً على الناشط القبطي نجيب جبرائيل أن يجد في تلك الكلمات سنداً لتقديم بلاغ للنائب العام، اتهم فيه زيدان بـ«ازدراء الديانة المسيحية، والتهكّم على عقيدة الفداء التي هي جوهر العقيدة المسيحية». جبرائيل هو «رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان»، وقد رأى في كلمات زيدان ما تؤثمه المادة 98 من قانون العقوبات المصري التي تعاقب «كل من استغل الدين (...) بقصد ازدراء أحد الأديان السماوية». أما العقوبة، فهي الحبس أو دفع غرامة. وقد استجاب النائب العام المصري لبلاغ جبرائيل، فأحال زيدان على نيابة أمن الدولة التي ستبدأ تحقيقاتها قريباً، وستنتهي إمّا إلى حفظ البلاغ، أو إحالة صاحب «اللاهوت العربي» على محكمة الجنايات.

الكاتب أمام نيابة أمن الدولة بتهمة «ازدراء العقيدة المسيحية»
وبعيداً عن مسألة القضاء الاستثنائي الذي يحرم المواطن المثول أمام قاضيه الطبيعي، يصعب أن نتصور اضطرار كاتب ـــــ مهما كانت آراؤه ـــــ إلى المثول أمام محكمة للدفاع عن آرائه، فضلاً عن احتمال مواجهة السجن. لكن من ناحية أخرى، هناك من يرى أن تصريحات زيدان بحق العقيدة المسيحية، سلوك غير مسؤول يسيء إلى قضية حرية التعبير، إذ يشوّش على النقاش، ويحرم صاحبه تعاطف النخبة والرأي العام... وخصوصاً أنّ تصريحاته تطاول طائفة تمثِّل أقلية عددية، تعاني بعض أشكال التمييز.
بعد إحالته للنيابة، صرّح زيدان لجريدة «الشروق»، بأنّ البلاغ المقدم ضده استند إلى اقتطاف عبارات «تحقيقاً لمآرب لا يعلمها إلّا الله». ورأى أنّه «من الغريب أن يتعلّق أحدهم بعبارة شاردة تقال للتبسيط فيقيم بسببها الدنيا». كما رأى أنّ غرض البلاغ المقدم ضده هو «التنديد بموقفي الفكري من «فتح مصر»، ورأيي الخاص بما تؤدي إليه مدارس الأحد من عزلة للشاب القبطي عن بقية الشباب المصري».
قد يبدو رد زيدان مقنعاً لبعضهم، ومتهافتاً للبعض الآخر. لكن الرجل الذي دافع كثيرون عن روايته «عزازيل» مستندين إلى مبدأ حرية الفن، خسر كثيراً بعد مقاله «ذكريات جزائرية»، الذي نشره خلال أزمة مصر/ الجزائر الكروية الشهيرة، ووجّه فيه إساءات كبيرة إلى الجزائريين. ولم يخفّف من أثرها الاعتذار الذي نشره بعدها بعنوان «رسالة حب واعتذار للروائي الجزائري واسيني الأعرج»، وخصوصاً أنّه رأى في رسالة الاعتذار أنّ كثيرين تلاعبوا بالمقال الأول و«أبرزوا فقط ما انفلت في آخر مقالتي من ذكريات تُزري بالجزائر». هناك تشابه واضح بين أسلوب زيدان في اعتذاره التبريري للجزائريين، وتصريحاته الدفاعية إزاء بلاغ ازدراء المسيحية. تشابه في تقنيّة الدفاع التي تأخذ على المنتقدين تعلّقهم بفقرات أو عبارات من دون غيرها. لكن كما هو واضح، فالمقتطفات، في الحالتين، لم يتغيّر معناها بالاجتزاء من سياقها. وهي مقتطفات لا تسيء إلى حرية التعبير فحسب، بل تسيء أولاً إلى زيدان نفسه، وإلى مشروعه الإبداعي أكثر مما تسيء إلى أي طرف آخر.