ألف صوت وصوت ضدّ «تقييد» الإبداع
لم تنته المواجهة القانونيّة بين دعاة التنوير في مصر، وحفنة متأسلمين يحاولون تأليب الرأي العام على «طبعة بولاق» من الكتاب الأشهر في التراث العربي ــ الإسلامي. لكن المؤكّد، في انتظار قرار المحكمة، أن «معركة الليالي» حسمت في الشارع، بعد التفاف المثقفين حول موقف حازم، في بلد طه حسين وسلامة موسى

القاهرة ــــ محمد شعير
هل انتصر المثقّفون المصريّون في معركة «ألف ليلة وليلة»؟ قد تكون الإجابة سابقةً لأوانها، وخصوصاً بعدما قرر النائب العام تحويل البلاغ ضدّ «ألف ليلة وليلة» لنيابة أمن الدولة العليا للتحقيق فيه. لكن كلّ الدلائل تؤكد أنّ «المعركة» مختلفة هذه المرة. في كل معارك حرية الرأي والتعبير منذ بداية القرن العشرين، كان هناك دوماً انقسام بين المثقفين، وكانت المعارك تنتهي لمصلحة القمع. كان تمرّد المثقفين تمرداً «مبتوراً». هل ننسى ما حذفه طه حسين من الطبعة الثانية لكتابه «في الشعر الجاهلي» بعد الهجوم عليه؟ أو ما حدث في «وليمة لأعشاب البحر» رواية السوري حيدر حيدر؟ أو معركة ما سُمّي «الروايات الثلاث» حين برّر مثقفون كثر مصادرة هذه الأعمال؟
كان أنصار الدولة المدينة يتخندقون دوماً في أماكنهم للدفاع عن أفكارهم، فيخسرون المساحات التي اكتسبوها لمصلحة أنصار الدولة الدينية. هذه المرة، يبدو الوضع مختلفاً تماماً. لقد بادر المثقفون بالهجوم، ولم يعودوا في موقع الدفاع كما في السابق. لقد قدّم اتحاد الكتاب بلاغاً ضد رابطة «محامين بلا قيود» التي كانت البادية في فتح الحرب على «ألف ليلة» بدعوى أنّ الكتاب العريق «يخدش الحياء». وجاء بلاغ الاتحاد باعتباره الجهة المنوط بها الدفاع عن التراث. وقد تم استثمار الحكم التاريخي القديم الصادر عام 1986، وقضى بأنّ «ألف ليلة لا يُعتبر كتاباً في الجنس. ولم يكتب و/ أو يطبع بغرض إثارة الغرائز». كما أن العمل كان مصدر وحي لروائع كثيرة في تاريخ الأدب العالمي. وقد بدأ الاتحاد بالإعداد لمؤتمر دولي كبير يُناقش «ألف ليلة وليلة»، فضلاً عن مناقشة دور المثقفين في مواجهة الهجمات الشرسة التي تتربص بالإبداع. وناشد الاتحاد وزارة التعليم بتدريس أجزاء من «الليالي» في مناهج التعليم المختلفة.

وصلت الانتقادات إلى الأزهر لأنه وافق على إصدار «الليالي» في... القرن الثامن عشر!
وفي موقع المؤسسة الرسميّة، لم تحاول «هيئة قصور الثقافة» تبرير إصدارها الكتاب، بل قررت خلال اجتماع الهيئة العليا للنشر إصدار طبعة ثانية من هذه الطبعة التي تسمّى «طبعة بولاق»، وإعادة طبع دراسات نقدية تناولت العمل مثل كتاب سهير القلماوي، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه قدّمتها في الستينيات بإشراف عميد الأدب العربي طه حسين. كما قررت الهيئة طبع النسخة الهندية من «الليالي» في ثمانية مجلدات، بدءاً من تموز (يوليو) المقبل. أما صابر عرب، رئيس «الهيئة المصريّة العامة للكتاب، فأكّد الاستمرار في طبع أول مخطوط للكتاب الشهير، وإعادة طبع ما نفد من أجزائه، وطباعة الأعداد الثلاثة التي صدرت في التسعينيات من مجلة «فصول» حول «ألف ليلة وليلة». باختصار، لم تشهد المعركة تردداً واهتزازاً كما كانت الحال طوال العقود الماضية!
هل أخطأت رابطة «محامين بلا قيود» في توقيت المعركة؟ أم لعلّها اختارت الكتاب الخطأ؟ وخصوصاً إذا تذكّرنا أنّ «الليالي» وجدت نفسها في دوّامة مشابهة، أواسط الثمانينيات، حين صدر حكم بحرقها. لكنّ بعض المثقفين أبطلوا الحكم في الاستئناف يومذاك، وكان أن نُشر العمل كاملاً. المعركة التي تحاول خوضها اليوم رابطة «محامين بلا قيود»، تتناسى تلك الحقيقة: أن العمل موضع الخلاف، ليس كتاباً تراثياً عادياً يسهل الطعن فيه، ولا كتاباً مجهولاً كما بدا في نص البلاغ الذي تقدّمت به رابطة «محامين بلا قيود». ربما يكون أكثر النصوص التي ينبغي أن تفخر بها الثقافة العربية. كما أن حكم المحكمة السابق نفى أن يكون كتاباً في «الإثارة الجنسية لدى قرائه إلا من كان منهم مريضاً».
ومن عبث المصادفات، أن تتزامن المطالبة بمصادرة «ألف ليلة وليلة» في مصر، مع صدور الترجمة الألمانية الكاملة للكتاب، قامت بها المستعربة كلوديا أوت. وقد دعت هذه الأخيرة إلى مؤتمر في 25 أيار (مايو) الجاري، احتفالاً بالترجمة، سيشارك فيه كتّاب وباحثون ونقّاد من العالم أجمع. بين هؤلاء الروائي المصري جمال الغيطاني، رئيس تحرير سلسلة «الذخائر» التي نشرت الكتاب. يرى الغيطاني أن «الليالي» «ذروة القصّ الإنساني، وأهم ميراث سردي عربي»، معتبراً ما حدث حلقة جديدة في سلسلة مطاردة الكتب باسم الإسلام، وإظهاره ديناً يخاف الكتب ويعاديها».
ولعلّ «أطرف» ما تميّزت به مبادرة رابطة «محامين بلا قيود»، أنّها تضمّنت مطالبة بتوجيه إنذار إلى شيخ الأزهر والمفتي، ومساءلته عن موافقة الأزهر على إصدار تلك الطبعة (بولاق) من «ألف ليلة وليلة»، في... القرن الثامن عشر. لكن النائب العام استبعد طلب المحامين، كما رفض إصدار قرار لمعرفة رأي الأزهر في الكتاب. هذا القرار ليس سوى التباشير الأولى بانتصار دعاة التنوير في مصر، في هذه المعركة. إذ يبدو أنّ «لعنة» «ألف ليلة وليلة» أصابت أصحاب البلاغ وأدّت إلى انشقاق الحركة. منذ البداية، رفض بعض أعضاء الرابطة تقديم البلاغ للنائب العام ضد «ألف ليلة وليلة»، إلا أنّ عشرة من زملائهم قاموا بالمبادرة في النهاية. ثمّ انسحب ثمانية وبقي اثنان فقط. وأعلن المحامي الشهير رجائي عطية الذي كان بمثابة الأب الروحي للحركة، مقاطعته لرابطة «محامين بلا قيود» بعد البلاغ. واعتبر هذا التصرف ضد مبادئ حرية التعبير. فيما أحال نقيب المحامين حمدي خليفة بعض أعضاء الرابطة إلى المساءلة التأديبية، بعد تبادل الشتائم في ما بينهم، مسيئين بذلك إلى صورة المهنة وأخلاقياتها.