في روايتها الجديدة «الأرجوحة» (دار الساقي)، تأخذ الكاتبة والصحافيّة السعوديّة شخصياتها في رحلة إلى جنيف. ثلاث نساء يقفن بين قمع مجتمعهن والحريّة الأوروبيّة


حسين السكّاف
في هذه الرواية لا وجود لبطل. جميع الكائنات مهمّشة تنهشها قوانين مرتجلة، وموروثات لا تصلح إلّا لجَلد الذات والآخر. قد تلامس هذه الصورة حقيقة الفكرة التي احتوتها «الأرجوحة»، رواية بدريّة البشر الصادرة أخيراً عن «دار الساقي». تغوص الكاتبة السعوديّة في صورة الإنسان الهامشي الذي شُنقت أحلامه بحبل التقاليد والموروثات والدين. شخصيات البشر مأساوية رغم بعض المرح الهستيري. يبدو كلّ شيء عند الرجال قابلاً للتغييب والمسخ. وفي المقابل، فإنّ كلّ شيء لدى المرأة يلامس التراب، تماماً، كجبين عبدٍ ساجد عند قدمَي سيده.
زمن الرواية هو زمن سفرة قصيرة قامت بها مريم ـــــ الشخصيّة الرئيسيّة ـــــ إلى جنيف، لتبحث عن زوجها مشاري المهندس الجيولوجي. هذا الأخير صاحب موهبة شعرية جعلت منه صديقاً لشيوخ كان يقايضهم قصائده مقابل قناني الويسكي، تحت ذريعة التصحيح والمراجعة، بحجّة أنّ الويسكي يصلح ما تفسده القريحة». هذه الظاهرة لم تعد خافية على أحد، إلّا أنّ طرحها بهذا الوضوح وهذه الجرأة يمنح الرواية بعداً أرشيفياً يؤرخ للمجتمع السعودي المعاصر بتحدياته ومشاكله.
هكذا، تنقل انشغال مريم حوا بتعليقات زوجها الساخرة من زملائه في العمل الذين «أطلقوا لحاهم وشذّبوا منطقهم العقلي، وأسرّوا له بأن من الحكمة أن يحذو حذوهم لينال ترقية إلى الدرجة الثامنة»... وفيما تزايدت ظاهرة إطلاق اللحى في دائرة زوجها طمعاً بدرجة وظيفية أعلى، ازدادت ظاهرة تسربل النساء بالعباءات الطويلة السوداء ولبس القفّازات والجوارب السوداء في مدرسة مريم.
من خلال علاقة مريم بصديقتها «سوسن الشيعية» ـــــ كما جاء في النص ـــــ تُخرج البشر بعض الهواجس المذهبيّة المطموسة. «لولا تخلّص مريم من بقايا قشور ثقافة نجدية كانت أمها ومدرستها تفركان بها جلدها كل صباح، لبدا لها عالم سوسن عالماً خطراً يحرَّم الاختلاط به. فالسنّة يشكّكون في جواز مخالطة الشيعة ولا يرتاحون إليها»، تكتب.
جميع النساء في رواية بدرية البشر يميزهن الاضطهاد. يرتبطن برابط الخوف من المستقبل ورعونة الرجال. «ليس للفتاة من طموح إلا أن تتزوج وتنجب، وحظها يصل إلى درجة الكمال السرمدي حين تمضي حياتها مع زوجها من دون أن يتزوج عليها زوجة أخرى» نقرأ.
صاحبة «قراءة في ذهنية التحريم في المجتمع السعودي» تقسم مستويات روايتها بين الإنسان في وجهه الاجتماعي وشخصيته ودواخله التي تنقلب كلياً حين يكون خارج سلطة المجتمع وقوانينه. فما إن وطئت قدما مريم أرض جنيف حتى قابلت صديقتَين لها منذ أيام الجامعة. سلوى المطلّقة مرّتين، التي جاءت إلى جنيف بإشارة من طليقها الثاني «ليمرحا» معاً بعض الوقت. وعنّاب ذات البشرة السوداء، التي ولدت في غرفة خلفية من قصر عمتها شريفة، واغتُصِبها سيدها وهي في العاشرة من عمرها، ومنذ ذلك اليوم «أدركت أن لونها الأسود جعلها بلا قيمة، وأخرجها من دائرة العيب إلى الإهمال».


بين الواقع والرغبات نسيت مريم زوجها الهارب

في جنيف، أحسّت مريم أنّها «ناقة عربية جاءت من مكان بعيد، مضمّخ بالحكايات الخرافية، والأساطير، وصلاة طرد الشياطين والخوف». تلمّست ثورة عارمة لدى صديقتيها، كيف تسهران وترافقان الشباب وتحتسيان الشراب والحشيش، كالسجين العارف بعودته إلى سجنه بعد فترة قصيرة. تأكّدت وهي تتأمّلهما «أنها وحدها التائهة في كتبها مع وجهَي فرجينيا وولف، وغوستاف فلوبير، لا تجرؤ على فعل ما تفعله صديقتاها».
وهنا تربط الكاتبة بين نساء روايتها، ورائعة فلوبير «مدام بوفاري»، الرواية الأثيرة لدى مريم، لتجد أن بطلاتها الثلاث وجوه أخرى لسيرة بوفاري: ضائعات في البؤس، يفتشن عن حب مرّ على قلوبهن، ومسّ شغفهن، وترك رائحته في ثيابهن واختفى. وفي غمرة ذلك الصراع بين الواقع والرغبات، نسيت مريم أو نسيت البشر أن تذكّر مريم بهدف سفرها، وتحثّها على السؤال عن زوجها الهارب... هكذا، تعود إلى بلدها من دون أن تلتقيه، بعدما عرفت عن طريق المصادفة أنه في باريس ليظل غائباً حتى نهاية الرواية. سير السرد وأحداثه لم تكن الهم الأكبر لصاحبته. الحبكة المتقنة كانت تبغي فضح كمّ الظلم والتعسف والتهميش الذي تكابده المرأة في مجتمع منغلق ينبذها.