محمد خير

«كل مرة/ أصرخ، فتسدّين أذنيك براحتيك الضئيلتين/ لست غاضباً يا كوكو/ أنا فقط أصرخ». ربما لأن باكورته الشعرية «شغل كايرو»، كانت بالعاميّة المصرية، فإن محمود عزت ينبّه قارئ ديوانه الثاني «عن الكائنات النظيفة» (دار ميريت ـــــ القاهرة)، فيكتب على الغلاف «شعر ـــــ فصحى». وبينما امتاز الديوان الأول بحميميّة الاحتفاء بالمكان، فإن «الكائنات النظيفة» يترك الحميمية إلى زخم يحاول ضمّ العالم، وتأمّله والتجوال فيه: «كان كل شيء متفحّماً/ فكرت قليلاً/ أوكّ.. لا بأس/ سحبت المدينة ـــــ المتفحمة كشجرة أفريقية ـــــ من قدمها إلى النهر/ غمرتها من كعبها في الماء ثم تركتها لتجف». في تلك القصيدة التي تفتتح الديوان، نرقب المتكلم وهو يغرس البنايات من جديد، يثقب بإصبعه النوافذ، يمسح التراب عن القمر ثم يجلس منتظراً «نهضت المدينة/ تسعل وتنفض عن ثيابها الغبار/ أزّت بوابات المترو/ اندفع الناس في الممرات/ تومض وتطفئ إعلانات الكولا والبارات/ قمت أستند على ركبتيّ و../ ـ مرحباً هيروشيما/ ـ مرحباً محمود.. أين كنت كل هذه الفترة؟».
في «كان على الأحدب أن يواجه العالم»، يكشف عزت عن الهاجس الأساسي في الديوان: العيب الخلقي الغامض الذي يصمّ كل بشر وكل حياة بلا ذنب ولا حيلة «كنت وسيماً/ ولكن ظلّي أحدب/ أجرّه ورائي فيحك قلبي المشوّه/ في ضلوعي من الخلف»، ثم «كان عليه أن يتأرجح هكذا كالوحش»، وهو يتمنّى «حبيبة حدباء/ تنجب له طفلاً أحدب». يمكن العثور على أصداء الهاجس ذاته في أماكن عدّة في الديوان، فيقول في قصيدة «انحراف تافه»: «هناك خطأ ما في مشية هذا الرجل/ خطأ تافه، ضئيل/ لا تلاحظه لولا أن يخبرك أحد بذلك». نقرأ ونتابع الرجل وهو يسمع موسيقى «الملحن العبقري/ الذي ارتجفت أصابعه للحظة على البيانو/ حين تذكر أيامه القديمة/ فانبعج اللحن». بين المشية وبين اللحن، يتذكّر الرجل أيامه القديمة «تلك التي كان فيها انحراف غير مرئي في المنحنى/ دفعه ملايين الأمتار/ بعيداً بعيداً/ حيث كان يجب أن يكون».


نصوص ملمّة بتقنية النثر، تغلب عليها الذهنية أحياناً

العناية الواضحة في القصيدة السابقة، توضح إلى أيّ حد جرى الاشتغال على النصّ، وهي سمة ديوان لا يمكن وصفه بالعفوية. لقد أدى ذلك إلى نصوص متقدمة في إلمامها بتقنية النثر، لكنها طبعت بعض النصوص بالذهنية، ومنها الفصل الأخير من الديوان الذي حمل العمل اسمه. تبدو قصائد ذلك الفصل نصوصاً عمدية أو قصدية ما قلّل من شعريتها، كما أن نصوصاً أخرى اقتصر الشعر فيها على بؤرتها، كقصيدة «آه يا قطارات». إذ تبدو القصيدة كلها مبنيّة على تلك الصورة «القطارات التي تلمّ التذاكر من المسافرين/ ثم تصرخ في وجوههم: ابكوا»، وبقية القصيدة محض مناجاة داخلية «أنا الذي لم أسافر قبلاً في قطار/ وعشت حتى الخامسة والعشرين/ في بيت أهلي/ لم أجرب الغربة ولا الحنين».
ذلك، فالديوان كبير الحجم نسبياً (130 صفحة). وجبة مشبّعة من قصيدة نثر لا تهمل الدهشة ولا الصورة الطازجة، أحياناً تكون الصورة هي القصيدة كلها كما في «قنديل السينما»، وأحيانًا تتفرّق عبر القصائد شذرات مثل «الجذع المبتور/ الذي ظن نفسه قارباً»، و«أنا أيضاً مهجور كالملعب القديم/ تحت الأضواء المنسيّة»، هي قصائد لرجل يريد أن يكبر، لكنه لا يلبث أن يتساءل «أين خبّأ الله اللعب يا منى؟».