بيار أبي صعب

في النهاية، لم يكن برنار جيرودو سوى مسافر. الممثّل الفرنسي الذي بدأ حياته بحّاراً، وبقي يرتاد الأصقاع البعيدة، رسا مركبه للمرّة الأخيرة قبل ثلاثة أيّام في أحد المستشفيات الباريسيّة. صاحب «البحّار والمرساة» («منشورات ميتاليتيه»، ٢٠٠١)، ابتلعته اللجّة ولمّا يتجاوز الثالثة والستين. غرق مع «مركبه الجديد»، كما كان يحلو له أن يسمّي السرطان الذي قاتله عقداً كاملاً، حتى صدّق الجميع أنّه سينتصر عليه. المرض «عرّفه إلى نفسه» قال مرّة، وجعله يكافح إلى جانب المصابين، كي يقبلوا بالأمر الواقع، ويروّضوا الوحش، ويتشبّثوا بالأمل.

في فيلم مارون بغدادي «الرجل المحجّب» (١٩٨٧) يجسّد الطبيب الفرنسي العائد إلى لبنان بحثاً عن ابنته
ابن لا روشيل الذي راقب السفن على أرصفة الموانئ حالماً بـ«الأمكنة الأخرى»، كان في السادسة عشرة حين التحق بالبحريّة بصفة ميكانيكي، كي يجوب العالم. وإلى ذلك الوقت يعود عهده بالكتابة، حين كان يخربش على دفاتره لقتل الوقت وتجاوز العزلة. في العشرين أراد أن يصبح ممثلاً، لكنّ أداءه المتلعثم ومشيته المتعثّرة جعلا البدايات صعبة. كان عليه أن يتحلّى بكثير من العناد كي يصل إلى الكونسرفاتوار، ثم ينخرط في «الكوميدي فرانسيز»، مؤدّياً نصوص كلايست وأرابال وآنوي. السينما ستكون خطوته التالية، بعد أن اكتشفه الجمهور إلى جانب جان غابان مع «رجلان في المدينة» (جوزيه جيوفاني، ١٩٧٣). شيئاً فشيئاً سيصبح «الرجل المضيء» الذي نعرف، وسيسكن وجدان الملايين بنظرته الزرقاء اللازورديّة التي جعلت منه فاتن السينما الفرنسيّة.
بين أدواره في السينما، نتذكّر «لوعة الحب» (إيتوري سكولا، ١٩٨١)، و«الغفران الكبير» (ألكسندر أركادي، ١٩٨٢)، و«غبار الملائكة» (إدوار نيرمانس، ١٩٨٦)... وطبعاً دوره في فيلم الراحل مارون بغدادي «الرجل المحجّب» (١٩٨٧) حيث يجسد الطبيب الفرنسي العائد إلى لبنان بحثاً عن ابنته، ومن أجل تحقيق مهمّة انتقاميّة... وأخيراً دوره في فيلم «نقاط ماء على حجارة ساخنة» الذي أخرجه فرنسوا أوزون عن نصّ لفاسبندر (٢٠٠٠). أخرج برنار جيرودو أفلاماً عدّة أبرزها «الآخر» (عن رواية أندريه شديد، ١٩٩١)، وعرفت كتبه نجاحاً واسعاً. كذلك عاد مراراً إلى الخشبة، لكنّ المرض حال دون تحقيق حلمه بتجسيد «ريتشاد الثالث»
لشكسبير...