الآخر المشتهى» إنتاج مستقلّ، حقّقته سينمائيّة سوريّة في كندا. تجربة عربيّة في صميمها، تطرح أسئلة الرغبة والمطلق والبحث عن الذات


لمى طيارة
«على السينما أن تتجاوز النص والحوار المكتوب، لتخلق صورة قويّة ومركبة تحاكي دواخلنا المحكومة بالنقصان والكمال المستحيل»، تقول علياء خاشوق. في قرية صغيرة على الحدود الكنديّة الأميركيّة، وجدت السينمائيّة السوريّة المعادلة اللازمة، لتحكي دوامة الرغبة الكامنة والجامحة. هناك تدور أحداث باكورتها الروائيّة الطويلة «الآخر المشتهى» L’autre désiré. عرض العمل خلال الدورة السادسة عشرة من «مهرجان الرباط لسينما المؤلف» الأخير، كذلك شارك في «مهرجان أفلام العالم» في مدينة مونتريال في كندا.
تجربة خاشوق الأولى في الروائي الطويل تأتي بعد شريطها القصير «طريق في اتجاه واحد»، وفيلمها التسجيلي «من دون استثناء». المتخرّجة من «المعهد العالي للفنون المسرحيّة في دمشق» عام 1994، عملت طيلة 12 عشر عاماً في «المؤسسة العامّة للسينما». خلال تلك الفترة، اشتغلت في مجال المونتاج، ورافقت تجارب سينمائية عدّة في دمشق. عام 2004، هاجرت إلى كندا، وفيها انطلقت تجربتها الإخراجيّة. لفتت أعمالها القصيرة كثيرين لاشتغالها بطرح قضايا المهاجرين العرب في شمال أميركا، بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وخصوصاً شريطها التسجيلي «من دون استثناء».
في «الآخر المشتهى»، تعطي الكلام أيضاً لشخصيات عربيّة في سيناريو أنجزته مع أحمد معروف. لكنّ قضايا الهجرة تغيب، لتحلّ مكانها حبكة ترتكز على الغوص في أعماق النفس البشريّة. مقاربة تعطي العمل بعداً عالمياً.
تساءل خاشوق هنا صوّر النقصان واللاكمال، في شريط يقدِّم طرحاً فلسفياً نفسياً عميقاً، من دون أن يحيد عن خط واقعي بامتياز. تمسّ السينمائيّة الشابة جوانب حميمة من أحلامنا ورغباتنا. جوانب نتهرّب عادةً من الخوض في مكنوناتها وتفاصيلها.
كما يدلّ عنوانه، يقول الفيلم إنّ لكلّ منّا آخر في خياله يحلم به، ويتمناه ويشتهيه... سواء كان هذا «الآخر» مكاناً أو منصباً أو مالاً أو شخصاً. لكنّنا نخشى الاعتراف بهذا الاشتهاء حتّى أمام أنفسنا. من هنا تأتي جرأة الفيلم في قدرته على البوح والفضح والاعتراف.

طرحت قضايا المهاجرين العرب في «من دون استثناء»
بطلة «الآخر المشتهى» هي ليلى (ندى حمصي) مهاجرة عربيّة تملك مطعماً صغيراً في كيبيك. تتغيّر حياة هذه السيّدة الخمسينيّة حين يأتيها زوجان للعمل والإقامة عندها موقتاً. يتحوّل الزوج إلى صورة الآخر المشتهى عند ليلى... يمكن أن يكون آخر عرفته سابقاً ثمّ فقدته، أو آخر كانت تحلم بلقائه دوماً. تتتابع أحداث الفيلم على إيقاع لقاءات حميمة بين ليلى والشاب المقيم في الطابق العلوي من منزلها. ونكتشف في النهاية أن هذه اللقاءات ما هي إلا لحظات روحية متخيّلة لدى المرأة الراغبة في الآخر. ينتهي كلّ ذلك بمجرد رحيل هذا «الحلم» من منزلها. وتماماً كليلى، فإنّ معظم شخصيات الفيلم تحلم أيضاً بآخر، وتقوم بطقوس لتتواصل معه في دوائر الروح والعقل. يأتي العمل كأنّه يروي قصصنا السريّة. يركّز على مفاهيم الصداقة والحب في فضاء غنيّ بالتخيّلات السريالية، وخيارات الكادر والإضاءة.
تجربة علياء خاشوق في السينما الروائية تستحق الاهتمام، ليس فقط لأنّها تخوض في «المحرمات»، بل أيضاً لأنّها إنتاج مستقل في ظروف إنتاجية صعبة جداً. «رغم أنّ الشريط يصنّف فيلماً عربياً، لأنني أخرجته وأنتجته، لكنّ الحق يقال إنّه عمل كندي»، تقول المخرجة. ثم تضيف: «جزء كبير من تكاليفه جاءت من أجور العاملين فيه الذين دعموا الفيلم ولم يتقاضوا أجراً يذكر».
المشتهى في «الآخر المشتهى» هو ذاك «المطلق أو المستحيل. هو كل رغباتنا، وأحلامنا التي نحب الطريق إليها أكثر من الوصول إليها في حدّ ذاتها؟». يمكن القول إن علياء خاشوق تؤكد أنّ الآخر المشتهى يبقى الدافع الحيوي للإبداع، والوجود... وأنّ هذا الآخر يلازمنا دوماً.