Strong>تجربته الأولى خارج إيران تصويراً ولغةً وموضوعاً

في «نسخة طبق الأصل»، يرصد المخرج البارز الغربة الجسدية والوجودية التي تعيشها صاحبة غاليري فرنسيّة في إيطاليا. صاحب «طعم الكرز»، يستثمر الحوار والضوء والظلال، ليقدّم حوارية عن الحب والهجران، ولعنة الزمن وقسوته

زياد عبد الله
إنّها المرة الأولى التي يحقّق فيها صاحب «طعم الكرز» شريطاً خارج إيران، من دون أن يعني ذلك أنّه اغترب أو غيّر أسلوبه السينمائي. عباس كياروستامي الذي طالما دارت أعماله في بلده، انتقل إلى إيطاليا هذه المرة. كان المعلّم الإيراني يريد تصوير فيلمه الجديد «نسخة طبق الأصل» في بيروت، وكان مشغولاً بمعرفة ما إذا كانت إيزابيل أدجاني تجيد اللغة العربية. تلك كانت فكرة الشريط الأولية.
لكن في شريطه الجديد الذي عرض في «مهرجان كان» الأخير، شاهدنا قرية في توسكانا الإيطالية بدلاً من بيروت، وجولييت بينوش بدلاً من أدجياني. فيما بقيت اللبنة الأولى للسيناريو نفسها: فيلم عن سوء الفهم الأزلي بين الرجل والمرأة من خلال قصة سيدة فرنسية تدير صالة عرض في توسكانا، وتجيد ثلاث لغات وتربّي ابنها وحدها لانشغال الزوج عنها. إنّه شريط عن الغربة المزدوجة التي تعيشها هذه المرأة: غربة جسدية ووجودية، وانسلاخ عن الجذور وعن الرجل أيضاً.
نبحث مع كياروستامي في Certified Copy عن «طعم الكرز» (1997)، إنما على وجه بينوش المحتشد بالمعاني. لسنا هنا أمام أناس عاديين يحوّلهم كياروستامي كما فعل في السابق، إلى ممثلين لمرة أولى وأخيرة على طريقة الواقعية الإيطالية. بل إنّ صاحب «شيرين» يجرب شيئاً جديداً في استثمار جمالي لبيئة مغايرة. لكنه يبقى وفيّاً لمشروعه، إذ يشتغل كالعادة على نبش المعاني الملتبسة والحيوات المختبئة... ويعود إلى الحب، أولاً وأخيراً، بوصفه أعقد العلاقات البشرية وأجملها. كل ذلك من دون أن يرزح الفيلم تحت وطأة العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية التي يوثّق لها كياروستامي في أفلامه، جنباً إلى جنب مع الحب، وتؤدي دوراً حاسماً في تكوين مصائر شخصيّاته.

يقوم الفيلم على أداء جولييت بينوش، عند الحدود الملتبسة بين الوهم والحقيقة
الزواج في «نسخة طبق الأصل» هو زواج، والانفصال انفصال، وفقاً للدواخل البشرية التي تُنبش سيكولوجياً وإنسانياً من دون أي عوامل خارجية. كياروستامي «الأوروبي» وجد ضالّته في وجه جولييت بينوش الذي اشتغل على استقراء تعابيرها. لذا تأتي كادرات الفيلم ولقطاته على مقاس تلك التعابير، إذ تتشكّل على الشاشة ببلاغة وبساطة، لتنتقل من الرقة والشاعرية والفرح إلى الأسى والضياع والغضب. بينوش «وجهاً لوجه» مع الكاتب جيمس ميللر (الباريتون البريطاني وليم شيمل في أوّل دور له على الشاشة)، كائنان في عالم مجازي يختصر الغربة التي تكاد تكون المقلب الآخر لكل لقاء بين رجل وامرأة. «نسخة طبق الأصل» بنيته مرتبطة عضويّاً بعنوانه. يلعب المخرج، متحاوراً مع كبار سبقوه مثل برغمان وروسيليني، على هذا الخيط الواهي بين الحقيقة والوهم. كأنّه يريد إيهامنا بأنّ ما نشاهده مطابق للأصل. ما الذي يربط بين صاحبة الغاليري الفرنسيّة العالقة في تلك القرية الإيطاليّة، وكاتب إنكليزي جاء يقدّم النسخة الإيطاليّة من كتابه «نسخة طبق الأصل» الذي يدرس فيه إشكاليات العلاقة بين النسخة والأصل في الفنّ؟ العلاقة التي تنسجها بينوش مع الرجل المجهول، هي محاكاة لعلاقتها مع زوجها الغائب. ونشعر حقاً بأنّ ميللر هو هذا الزوج، بما يجعل النسخة قادرة على أن تحلّ مكان الأصل... من دون أن تكون أبداً ذلك الأصل.
من البداية، نقع على ميللر متحدثاً عن كتابه، ثم نشاهد بينوش التي تملك صالة عرض، تدخل القاعة. هكذا يمضي الفيلم خلف العلاقة التي تنسج بينهما، وتبدو في البداية قصة إعجاب امرأة بكاتب، وهي تسأله أن يوقِّع لها نسخاً من كتابه لأختها وأصدقاء آخرين، ما يوهم بأنها في صدد الوقوع في غرامه. بعد ذلك، يمسي الأمر أشبه باتفاق ضمني بأن يكونا زوجين مضى على زواجهما أكثر من 15 سنة، وخصوصاً حين يقصدان شجرة الأمنيات المذهبة في إحدى القرى. هذه الشجرة يقصدها العرسان الجدد ليقسموا تحت ظلّها على الوفاء مدى الحياة. هكذا، يوظّف صاحب «طعم الكرز» كل ما يحيط بهما لإضاءة ما يعتري العلاقة من صعود وهبوط، ومن ذكريات ومستجدات.
سيكون الاعتماد الأساسي في الفيلم على وجه بينوش المحتشد بالتعابير (جائزة أفضل ممثلة في «كان»). لا بل إنّ الفيلم هو بينوش، وبينوش هي الفيلم، في علاقة تفاعليّة مع ما يحيط بها. ومن خلال مسار تصاعدي، يقوم على الحوار، الأداة الكبرى في سينما كياروستامي، إلى جانب تدرجات الإضاءة، واستثمار الضوء والظل، وتحويل البيئة إلى خلفية لحوارية مترامية عن الحب والهجران، وعن لعنة الزمن وقسوته، وتعقيد الزواج وهشاشته... الثلث الأخير من الفيلم هو الأجمل. ولعلّ لعبة الالتباس ستنجح في مساعدتنا على تعقّب السياق، كما لو أنّها تمهيد محمّل بالمعاني الحوارية، ومَعبراً نحو تكثيف العلاقة التي تكون علاقة بين أي رجل وامرأة في هذا العالم.
علاقة يقدمها كياروستامي في بناء يوحي بأنهما كانا متزوجين حقيقةً، أو يمثّلان نسخةً طبق الأصل عن زواج ما عاد يمكن إصلاحه، وخصوصاً حين يصلان إلى الفندق وتختار المرأة رقم الغرفة التي أمضت فيها شهر العسل مع زوجها. نقول إنّه زوجها، لكن سرعان ما تتلاعب الريح بالنافذة، تفتحها وتوصدها، فنستعيد ما كان مستحيلاً، ونحن نرى جيمس ميللر يمضي تاركاً بينوش وحيدةً في الغرفة. وهو منذ اللحظة الأولى للقائهما، ينتابه القلق من أن تفوته الطائرة.