سعيد خطيبي

تمتدّ الحكايات، وتتشعب أقدار شخصيّات فضيلة الفاروق في روايتها «أقاليم الخوف» (دار الريس). لكن في النهاية، تصبّ مسارات هذه الشخصيّات في وصف اتساع العنف والدّم، وبؤر التعصّب الديني في البقاع المسلمة من العالم المعاصر التي تتشارك تناقضات الحياة اليومية وضبابية استشراف المستقبل. «بيروت، مدينة الحب والحرب» هي المحرّك الأهم لمجريات الرواية التي تتخذ من عدوان تموز 2006 خلفيةً لها، وتسرد جزءاً من ذاكرة البطلة ـــــ الراوية مارغريت نديم نصر. هذه الأخيرة فشلت في التخلّص من ولعها بالشرق، رغم فقدان والدتها وأخيها الوحيد أسعد في هجوم انتحاري في شرم الشيخ. الشرق هنا يتجسّد خصوصاً في بيروت. هذا الشرق الذي أغرى مارغريت وملأها شغفاً وشبقاً، قبل أن يذيقها المرارة ويدفعها إلى الإقرار: «شرق السبايا، والحريم والغنائم النسائية. شرق الموت الأحمر، والخوف الذي يرقص في الشوارع. شرق الجرائم التي ترتكب باسم الله...».
الراوية التي عادت إلى بيروت من أميركا بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، تسرد هنا خيبتها من عائلة زوجها. تقول: «عادةً بعد جلسات الغداء التي تجمعنا جميعاً، يقوم الجميع لتأدية الصلاة جماعة خلف عبد الله زوج شهد الذي يؤم الصلاة، وسلوى التي تكون أحياناً بالعادة الشهرية تدّعي أنّها على وضوء دائماً، فترتدي ثوب الصلاة وتقف خلفهم وتؤدي الحركات للصلاة». رغم كونها مسيحيةً، فإنّ مارغريت لا تخفي رغبتها في الاندماج بحياة عائلة زوجها أياد المسلمة، قبل أن تجد نفسها في حلقة مفرغة، بسبب تصادم القناعات في بيروت. إذ تخاطبها العمّة روزين: «وبكرا إذا صار عندك ولاد، شو راح يطلعوا، إسلام أو مسيحية؟». تساؤل


عن شرق التناقضات والمستقبل المجهول
أعاد الراوية إلى نقطة الصفر، إذ تجيب في سرّها: «لم يخطر ببالي أن يكون أولادي مسلمين أو مسيحيين، كنت دوماً أحلم وأخطّط أن يكون لي أولاد يشبهونني أنا وأياد». وتضيف بأسى: «أما بعدما عشت في بيروت، فقد أصبحت أرى فضاءات الأديان والتيارات السياسية تتصارع، إما صمتاً أو علناً». هذا الصراع حتّم على زوجها التخلي عن القناعات التي كان يجاهر بها في منفاه الأميركي، ما دفع مارغريت إلى الانفصال عنه والعودة إلى مهنتها في الصحافة.
بين بيروت العشق وبيروت الصدمة، تخوض مارغريت رحلة البحث عن ذاتها وهويتها تحت مظلّة عملها الصحافي، فتزور دول العالم الإسلامي التي مزّقتها الحرب، من أفغانستان إلى دارفور، مروراً بباكستان حيث شهدت محاكمةً غريبة. ها هي تسرد وقائعها: «لقد شكّ الرجل في زوجته، ظنها تخونه مع رجل آخر، فقطع أذنيها لأنه افترض أنها كانت تسمعه بأذنيها، وفقأ عينيها لأنه افترض أنها كانت تنظر إليه، وافترض ما افترضه، وبتر منها ما بتر، ثم برر جريمته قائلاً إنّه مسلم ومن واجبه أن (...) ينقذ شرفه».
بين مشاعر الخوف، والرغبة في فرض الذات، وعدم التوقف عن رثاء عائلتها التي فقدتها، وذكريات مراهقتها الممتلئة إيروتيكيةً، ونصرتها ضمنياً حياة المثليين، تنتهي مارغريت في عشق بيروت، قائلة: «يتفق الجميع، من دون أن يعلنوا ذلك بصوت عالٍ على أنّ الحرب قدر يتربص ببيروت دائماً، فهي تذهب وتجيء، وبيروت كلما احترقت أو دمرت تنهض من جديد».