في بحثها الأنثروبولوجي «العذريّة والثقافة» («دار دال» ــ دمشق)، تتناول مها محمد حسين مكانة الجسد من الوعي السائد. وتغوص الباحثة المصريّة في إشكاليات العفة والفضيلة والشرف، انطلاقاً من الخطاب المعرفي والديني والطبي والشعبي


خليل صويلح
كان ديكارت قد اختزل اكتساب المعرفة بتأمّل العالم عن طريق العقل وحده. جاء هايدغر لينسف هذه النظرية، معوّلاً على تعامل الجسد مع محيطه، وهو بذلك أوّل من أدخل الجسد في متن الخطاب الفلسفي. ثمّ استكمل ميشال فوكو سوسيولوجيا الجسد، حين أعاد الفروق الفيزيولوجية بين الذكورة والأنوثة إلى صورة نمطية، لا تمتُّ إلى الواقع بصلة. من هذه الزاوية، ترصد مها محمد حسين في كتابها «العذرية والثقافة» (دار دال ـــــ دمشق) أنثربولوجيا الجسد في الثقافة العربية. العذرية هنا تتجاوز غشاء البكارة لتتعداها إلى مفاهيم راسخة تتعلق بالعفة والفضيلة والشرف، وبإشكالية التحكم في النظام الجسدي وضبطه خارجياً في المقام الأول. ذلك أنّ الخطاب المعرفي ـــــ سواء الديني أو الطبي منه ـــــ يفرض إرادته على الجسد ويحدّد أساليب ضبطه وحركته بما يتسق مع ثقافة المجتمع. هكذا، تتبدى عملية الختان بالنسبة إلى الإناث كواحدة من آليات السيطرة على رغبات الجسد.
وتتوغل الباحثة المصرية في قراءة استراتيجية العذرية عبر أبحاث ميدانية مثيرة، تنطوي على أبعاد تطهرية، إذ لطالما ارتبط زوال غشاء البكارة بالدنس. من هنا، باتت عملية الختان أمراً شائعاً في الريف المصري، ولدى بعض الشرائح الاجتماعيّة الأخرى. وترى مها محمد حسين، أن تراكم ثقافة الختان في الموروث الشعبي أدّى إلى ختان فكري ونفسي يجد تمثلاته في نمط العلاقة بين الذكر والأنثى. هذه العلاقة القائمة على كبت الرغبة الجنسية كنوع من العفة. هكذا تميّز في دراستها بين العفة البيولوجية والعفة السلوكية من جهة، وتأثير العولمة والحداثة على ثقافة الجسد لجهة الإشارات والإيماءات كتعبير حركي عن هويته من جهة ثانية.
العولمة أظهرت أشكالاً من السلوك المتطرّف في تحوير الجسد وإدماجه في هوية ثقافية واحدة، أفقدته خصائصه المحليّة، وتمرّداته الفردية والداخلية، وأنساقه القيميّة. من ضفة أخرى، تربط الباحثة بين ثقافة العذرية والحجاب بوصفه آلية أخرى من آليات ضبط الجسد وحجبه عن الأعين... ما يجعله يصب في ثقافة الختان بوصفه تشويهاً جسدياً. ورغم أن قضية الختان أصبحت قضية رأي عام منذ مطلع التسعينيات، إلا أن التقاليد ما زالت ترخي بظلالها على التفكير الاجتماعي والتصورات الشعبية كقيمة استراتيجية في مواجهة الشهوة المحرّمة. لعلّ المفارقة تكمن في أن قرار الختان تتخذه الأم في الدرجة الأولى، ضمن طقوس احتفالية لانتصار العفَّة. نقرأ بحثاً موسعاً عن تقاليد الختان لدى البدو في واحة سيوة المصرية بوصفه طقساً وثنياً متوارثاً، لم تتمكن المؤتمرات المتخصصة والحركات النسوية من مواجهته، رغم اعتبار الختان مصطلحاً عالمياً يعني في المحصلة «البتر التناسلي الهمجي للإناث».
وتفرد حسين فصلاً خاصاً بثقافة العذرية في المجتمع المصري عبر عينات ميدانية لمفهوم العذرية. تقول إحداهن «العذرية تعني بنت مؤدبة مقفولة محدش قرّب منها». هكذا يصبح مفهوم الشرف مرادفاً لغشاء البكارة وعذرية الروح والسلوك. هذا ما يزخر به التراث الثقافي من عناصر تعمل على تدعيم قيمة العذرية والحفاظ عليها، وتتوعد الخارجات عليها بأشدّ أشكال العقاب... والأمثال الشعبية وأغاني الأفراح دليل على ذلك: «قولوا لأبوها إن كان جيعان يتعشى، الدم ساح وغرّق كل الفرشة»... كما أن عبارة يوسف وهبي الشهيرة صامدة إلى اليوم: «شرف البنت زي عود الكبريت ميولعش غير مرة وحدة»... إضافة إلى تراكم ثقافة رواية طه حسين «دعاء الكروان» التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي عن فتاة ريفية تدفع ثمن علاقتها مع مهندس خدعها وغرّر بها. وتشير مها حسين إلى أن مفهوم الشرف يتجاوز العذرية إلى حركة الجسد الأنثوي لجهة الجلوس ونبرة الصوت وأسلوب المشي.


ثقافة الختان أنتجت ختاناً فكرياً ونفسياً
فقدان العذرية إذاً، هو انتهاك قيمي قد يؤدي بصاحبته إلى القتل أو الانتحار لمحو العار... لكنّ التطور الطبي بإعادة العذرية قلّل من حالات الفضيحة عن طريق تركيب غشاء بكارة صناعي، أو ما يسمّى «الترقيع». يدافع أحد الأطباء ممن يمارس مهنة الترقيع هذه قائلاً: «أنا بتعامل مع الموضوع كأنّه جرح في حاجة لخياطة، أو عملية زايدة حتنفجر»... لكن مهلاً، هناك زوجات يُعدن غشاء البكارة كنوع من الطقس الاحتفالي، كتأكيد أنثوي لذكورية الرجل، وهو ما نجده لدى الطبقات الثرية. تقول إحداهن: «وليه لأ من باب التجربة، قلت أعمل زي صحابي وخلاص. متعة لما ترجعي أحلى أيّام حياتك تاني، تبقي عشتي حياتك بالطول والعرض مرتين».
وتكشف الدراسة عبر الإحصاءات الميدانية تراجع القيم الثقافية للعذرية أمام الضغوط الاقتصادية التي فرضت قيماً بديلة بتأثير وسائل الإعلام والتحولات الثقافية التي فرضت هيمنتها على سلوكيات الجماعة والأفراد. تحولات أحدثت خللاً في منظومة القيم، فأصبح مفهوم العذرية أكثر تعقيداً بغياب الثقافة الطبية والجنسية، وشيوع ثقافة عولمية تدعو إلى جسد حر، عليه التخلّص من قيوده الثقافية المتوارثة ذكورياً. مفاهيم أطاحت إلى حد بعيد قيمة العذرية بمعناها البيولوجي والرمزي في آن واحد.