هالة نهرا

رغم انتقال قصيدة النثر إلى زمن الحداثة الثانية، فإنّ قصيدة الشاعر زاهي وهبي ما زالت تعكس «رؤية إلى العالم» وموقفاً من الوجود! وهبي يرفض أن يحيّد شعره عن القضايا الوطنية والعربية، وأُولاها القضية الفلسطينية. في قصيدة تحمل عنوان ديوانه الأخير «كيف نجوت..» (الدار العربية للعلوم ناشرون)، يتساءل مراراً عن سرّ نجاته «أثناء الحرب/ وقت المجزرة»: «لا أعرف كيف نجوت/ لم أمت/ لكنّني رأيتُ من مات/ (...)/ لي إخوةٌ لا أعرفهم/ نبتوا مثلي على ضفّة الألم/ لي أبناءُ الأرض المحتلّة».
لم يشفَ زاهي من ظلال محمود درويش (قصيدة «حالة حصار»). لن يشفى من تسلّل العابرات إلى وحدته، وأطفال ملّوا من الطفولة، فقاتلوا بدلاً منّا: «أتحوّل، أتجوّل/ أغدو ما أريد/ قبلةً، نجمة، غيمة/ (...)/ حجراً في قبضة ولد». معظم قصائده تشفّ عن غنائية رومانسية، وإيقاع داخلي يمتزج بإيقاع خارجي أحياناً.
قد يكون الألم أحد المكوّنات الأساسية لشاعريّته. لعلّه يتوسّل الشعر لتفريغ مخزونه من مفردات الألم. وهبي يشحن أيّامه بشغف الشعر، ويقول فيه ما لا يمكن أن يُقال على التلفزيون. صاحب برنامج «خلّيك بالبيت»، انتهى لتوّه من كتابة قصيدة «ترتكز على حوار ذاتي، وتكشف عن طفولة هاربة» على حدّ تعبيره. شعره لم يتحرّر إذاً من طيف الطفولة، ولعلّه مفعم بالرمزية والأنوثة: «أنوثتي تشعرني أكثر برجولتي، بإنسانيّتي/ تشعرني أكثر بكِ» (نصّ «في الأنوثة»). لعلّه يتّجه إلى الترميز أحياناً من دون أن يخترق الشعر الرمزي: «مات الغول والعنقاء/ ماتت ليلى/ لم يمت الذئب» (قصيدة «عويل الماء»). في قصيدة «جاز أفريقي»، يفاجئنا بطزاجة صوره، وانعطافة صغيرة إلى اللحظة الراهنة والسلوك اليومي: «كم أحبُّ/ بشرتَكِ السوداء/ عرقكِ الشهيّ كرائحة بنٍّ في الصباح».
يدعو في قصيدة «اتبع قلبك» إلى التمرّد على التقاليد الراسخة: «قبِّلها في الضوء، في العلن/ لا تخشَ أعينَ المارّة/ لا تخشَ عسس السماء/ (...)/ خلقتما لتكونا معاً/ بلا شرطٍ، بلا قيد/ بلا حبرٍ، بلا ورق».
صاحب «يعرفكِ مايكل أنجلو»، يخرج عن أسلوبه أحياناً، ويقتنص صوراً واستعارات لافتة: «أمضي خفيفاً كفكرةٍ ساذجة» (قصيدة «كثيرة النساء»). كأنّه ينتقل هنا من جيل شعري إلى آخر، فينضمّ إلى مجموعة أصوات وتجارب شبابية. ترى هل نجا زاهي وهبي؟ ربّما، لكنّه لم ينجُ من غربته، ونصّ شعري مكتظّ بأسئلة ورسائل ومفاهيم فلسفية. لم ينجُ من مناخ شعراء السبعينيّات والثمانينيّات. نخاله واحداً منهم من فرط تماهيه مع ذلك المشهد الشعريّ بما يمثّل من قيم المرحلة السابقة، وأحلامها وإخفاقاتها. ليت زاهي وهبي لا ينجو من الشعر أبداً!