سيرة ذاتية مقنّعة بين الجزائر وباريس

علاقة حب «ثلاثيّة»، على خلفية المناخات السياسية التي عصفت بالجزائر منذ انقلاب الـ1965. رواية «أنثى السراب» (دار الآداب)، تقترح على الواقع أن ينسحب لمصلحة التخييل. لعلّها أيضاً احتفاء بالتاريخ الشخصي لصاحبها، وورشة حول علاقة الكتّاب بالشخصيات التي يبتكرونها

حسين بن حمزة
قد لا يجد قارئ رواية «أنثى السراب» (دار الآداب) لواسيني الأعرج أي مغالطة سردية في بنائها المحكم. إلا أنه لا ينجو، في الوقت نفسه، من السؤال الآتي: هل كل رواية مكتوبة على نحو صحيح تحصل على شهادة الجودة والإمتاع؟ وجاهة السؤال متأتية عن قيام الرواية برمّتها على فكرة واحدة، تستمر في المراوحة والتكرار طوال 550 صفحة. إذْ تقرر بطلة الرواية «ليلى» التخلص من غريمتها «مريم» التي لطالما أطلق «سينو» (تصغير محبّب لاسم المؤلف نفسه) اسمها على بطلات رواياته. ليلى، عازفة الكمان في الفرقة الفيلهارمونية لأوبرا وهران، هي حبيبة سينو المقيم في باريس، المهددة حياته من الإسلاميين، أو «حراس النوايا» بحسب تعبيره هو. إنّها قصة حب عاصفة كُتب لها أن تعيش على هامش روتين الحياة الزوجية لكليهما. مريم هي الأقنعة الأدبية المتكررة لليلى الحقيقية، لكن الثانية سئمت العيش باسم آخر على الورق، وقررت استرداد هويتها وكشف الحقيقة.
تجري الرواية في ليلة واحدة تنزوي فيها ليلى داخل قبو منزلها الذي تسميه «السكريتوريوم»، وتفتح صندوق الرسائل المتبادلة بينهما، بينما تضع مسدساً على الطاولة، إلى جانب الكمان، وتقرير تحاليل الرحم الذي ستعرف نتائجه في الغد. الأحداث قليلة مقارنة بالصراعات النفسية والعاطفية المروية في الرسائل. ليلى ترى أن مريم استولت على هويتها، بينما يحاول سينو إقناعها بأن حضورها الافتراضي والمقنّع في رواياته ضاعف حضورها في حياته وخصّب هويتها الحقيقية. في الأثناء، تصلنا شذرات من الأجواء السياسية والاجتماعية التي عصفت بالجزائر، بدءاً بانقلاب 1965 على حكم أحمد بن بلّة، ثم دخول البلاد في ما سمّي «سنوات المحنة» كنايةً عن الصراع الدموي الذي شهدته الجزائر في فترة التسعينيات.
لعل الرواية تستجيب لمعايير القراءة الأكاديمية، لكنها تفتقر إلى أسلوبية تدهش القارئ وتنقذه من الضجر والاسترسال. كذلك إنّ تقنية الرسائل تخسر الكثير من حيويتها بسبب طولها غير المبرر، واكتظاظها بمنشآت لغوية وعاطفية متكررة.
تتكفّل الرسائل بسرد تواريخ ومحطات في حياة سينو، تتطابق مع محطات مماثلة في حياة واسيني الأعرج نفسه. لا يُخفي صاحب «وقع الأحذية الخشنة» (1981) هذا التشابه المتعمد. بل إنّه يستخدم الرسائل ذريعةً لشرح علاقته بالكتابة منذ البدايات المبكرة، مروراً بمحطات أساسية في مسيرته الروائية، واضطراره إلى العيش متخفياً كي يتجنب الموت اغتيالاً كما حدث لبعض زملائه، ثم مغادرته إلى منفاه الباريسي، حيث عمل أستاذاً في السوربون.

رواية تفتقر إلى أسلوبية تدهش القارئ وتنقذه من الضجر
لا نعرف إذا كانت ليلى امرأة حقيقية أو متخيلة، ولا نعرف إن كانت امرأة واحدة أو خليطاً من نساء. الأمر نفسه ينطبق على مريم. هكذا، نجد أنفسنا أمام لعبة مرايا لا نهاية لها. ليلى وسينو الحقيقيان مرئيان من خلال مريم الورقية، لكن هذا لا يُخفي لعبة أعقد تدور بين واسيني الأعرج وأبطاله. بطريقة ما، تصبح الرواية احتفاءً فضفاضاً بالذات، ويصبح كل شيء متخيلاً، ما عدا المؤلف وتاريخه الشخصي. قد تكون الرواية مبنيّة على تجربة واقعية، لكن واسيني يحول الفكرة إلى مناسبة لفتح ورشة روائية كاملة عن علاقة الكتّاب بالشخصيات التي يبتكرونها. لا ننسى هنا أن مريم كانت بطلة روايته «مصرع أحلام مريم الوديعة» (1984)، وأنها حضرت في «ضمير الغائب» (1990) و«رمل الماية» (1993)، وفي «سيدة المقام» (1995). مريم هي استعارة كبرى قابلة لتأويلات عدّة، مقارنة بواقعية ليلى وثبات صورتها.
ولأن الاستعارة أكثر خلوداً من الواقع، فإن الرواية تقترح على الواقع أن ينسحب وينكمش لمصلحة التخييل. ليلى، بهذا المعنى، هي مجرد حجة لتعزيز الاستعارة، بل إن ليلى نفسها لا تكفّ عن إضجار القارئ بتكرار فكرة أنها لن تسمح لامرأة افتراضية بسرقة وجودها. تطالب سينو بحضور «جنازة مريم الورقية» معها، بينما يفشل هو في إقناعها بأن «مريم هي أنت، لكن مرمَّمة. لقد أضفت إليها كل ما كان ينقصك». تفكر ليلى بحرق روايات سينو. تقنع العراقي سفيان، ناشر سينو في ألمانيا بفكرة طبع الرسائل كما هي. ثم تقرر أن خلاصها لن يتحقق إلا بقتل مريم. لكن كيف؟
هنا تأخذ الرواية منحىً دراماتيكياً تنقصه القدرة على الإقناع. إذْ تقف ليلى أمام المرآة. يختلط وجهها بوجه سينو، ثم بوجه امرأة مبهمة. تقرر أنه وجه مريم. تطلق خمس رصاصات على المرآة، وتخرج بشعور أنها ليست مريم ولا ليلى: «كنت شخصاً ثالثاً (...) خفيفة وسعيدة». تأخذ نتيجة التحاليل من المختبر. ترسل مخطوطة الرسائل إلى الناشر. على درج مبنى البريد، تفتح مغلف المختبر وتدرك أن السرطان تمكّن من رحمها. تتمنى لحظتها لو أن مريم تحلّ محلها فعلاً. فجأة تشاهد امرأة ترتدي شالها ومعطفها وقبعتها. تلتفت المرأة بوجه مريم وضحكتها! تُخرج المسدس وتطاردها صارخةً كالمجنونة، بينما يطالبها شرطي بالتوقف، ثم يُرديها من الخلف...
حسناً، ما الذي بقي من الرواية سوى أن النقاش البارد والمتكرر عن علاقة الروائي بشخصياته انتهى بخاتمة مخيّبة لقارئ صمد 550 صفحة كان ممكناً اختصارها إلى النصف؟