«ليس هناك أقدم من أخبار الأمس»


دمشق ــ خليل صويلح
في حارة الزيتونة، وسط دمشق القديمة، كان علينا أن نفتّش عن تجمّع «مهرجان دمشق للفنون البصرية» الذي انطلقت نسخته الأولى قبل أيام. بعد محاولات عدة، في الأزقة الضيّقة، اهتدينا إلى المكان. لم يكن يحمل أي إشارة تدلّ عليه، كأنما هناك هوية مضمرة للمدينة، أو حجاب. لعل هذا التخفّي هو الذي قاد الفرنسية دلفين ليكاس، المقيمة في دمشق منذ عقد ونصف، إلى تأسيس جمعية «عين»، لتعزيز حضور الفنون البصرية في المدينة من خلال مزج الإرث المحلي بمقترحات الفنون المعاصرة.
هكذا التقى فنانون من العالم عبر وسائط متعددة لاكتشاف فضاء المدينة، ونقلها من مجرد «موقع» إلى أيقونة ما بعد حداثية، وكسر النزعة المركزية لبوتقة الانصهار، لمصلحة جماليات التجاور والتمايز والاختلاف. ندخل من باب ضيّق إلى ممر يقود إلى غرفة ضيّقة من دون نوافذ. تتوزع جدران الغرفة صور فوتوغرافية قديمة جمعها المصوّر الفوتوغرافي عمر بيرقدار من أرشيف استوديوهات تصوير تقليدية. لقطات تعبّر بعمق عن مفهوم البورتريه في الخمسينيات والستينيات، في عمل تركيبي يسعى إلى إضاءة أحوال مهنة في طريقها إلى الاحتضار. لكنّ هذا العمل، لم يكن ليخلو من وهم وخداع في تظهير لقطة فنية، عبر التلوين اليدوي، أو استخدام مناظر طبيعية في خلفية الصورة كشاهد على تحولات تقنية متسارعة، شهدتها ذاكرة مدينة دمشق. الصور نفسها مرآة للذات على خشبة مسرح افتراضي، وما على أصحابها سوى أداء دور جيد في لقطة ثابتة تقاوم النسيانعلى الضفة الأخرى، يقترح اللبناني رائد ياسين مزج وسائط متعددة للبحث في تفكك الثقافات العربية الشعبية، تحت عنوان «الرعب كوني: النهاية». مقاطع بصرية وسمعية، وأسطوانات قديمة، وموسيقى إلكترونية، تتمركز حول مشاهد من أفلام مصرية، تعود إلى حقبة الثمانينيات، وإعادة تركيبها وتكرارها، بوصفها تمثيلاً لنمط تفكير عربي، لم يغادر أسئلته القديمة. فيما يؤرشف السوري فصيح كيسو صورة بيروت 1982 بشريط فيديو التقطه خلال وجوده في المدينة كشهادة على مكان يتهاوى تحت سطوة الحرب، وشهوة العنف البشري في التدمير. وإذا بالصورة توثق تأثير الحروب على المدن «التي نعرفها سلماً ونعيشها عنفاً» وفقاً لما يقوله. ويستكمل صلاح صولي صورة بيروت في أوائل التسعينيات، حين كانت آثار الحرب لا تزال واضحة، في محاولة لإعادة بناء رؤية جديدة لحياة المدينة باستخدام مؤثرات سمعية وبصرية (شاشة ثابتة لشخص يغطّ في النوم والشخير المتواصل)، ومرآة عاكسة لعمارة قيد الانهيار، في متاهة بصرية «تقع في المنطقة الرمادية بين الذاكرة الحيّة وإزعاج الكوابيس». وإذا كان صولي قد أدخلنا متاهته في وضح النهار، فإنّ اللبناني كريستوف قطريب يصحبنا إلى «شارع الهذيان» في جولات ليلية ومسارات عشوائية لليل بيروت، فتختلط الأصوات الخارجية بقصص شخصية وأوهام وتلصص، بحثاً عن ذات ممزقة بامتياز. على جدارٍ آخر، سنستعيد مع غيث الأمين في «مرة على الرصيف» لقاءً عابراً بامرأة في أحد شوارع بيروت، وسوف يتخذ مساراً مختلفاً، في كل إعادة جديدة له، مرفقة بأحاسيس شهوانية. في EXIT، يقودنا مهند يعقوبي (فلسطين ــــ المملكة المتحدة)، إلى شبكة أنفاق مترو لندن، في أجواء خانقة لجسد راقص، يعيش أقصى حالات الخواء والوحدة، والفقدان. مساحة تضيق على جسد يتوق إلى حرية مفتقدة في ظل آلة طاحنة تحدد أصل الحركة والخطوط والألوان.
ورشة كلية الفنون الجميلة في دمشق، أنجزت عملاً تركيبياً للوسائط الرقمية. انطلقت فكرة العمل من عبارة محددة «فتّش عن المكان الذي تطرب له مخيلتك». هكذا اهتدى الطلاب المشاركون إلى أمكنة


يقترح رائد ياسين مزج وسائط متعددة للبحث في تفكك الثقافات العربية الشعبية
مختلفة في المدينة، مثل الأنفاق، وسوق الثياب المستعملة، والبيوت القديمة، في صياغات رقمية تستنبط القدرات الجمالية الممكنة عبر التفاعل غير التقليدي بين الفرد ومحيطه العام.
الألمانية باتريسيا لامبرتوس، وجدت في بهو معهد غوته، فضاءً لعملها التركيبي «ليس هناك أقدم من أخبار الأمس»، إضافة إلى أعمال فوتوغرافية، تقوم على كولاج بصري يؤسس لصلات قريبة بين المكان العام والخاص عبر ملصقات قديمة وبقايا إعلانات، وزخارف، ولفائف ورق الجدران، في إحالات معاصرة، تنسف النمط التقليدي للواجهات، وذلك بإقصاء التماثل بين المقاطع الجدارية، والقطع الجذري لأحادية المظهر ورتابته نحو أنماط متباينة في تكوينات لافتة. وتشدد شارلوت بانك (برلين ــــ دمشق) في أعمالها على إمكانات فنون الفيديو آرت في التقاط نبض مدن القرن الحادي والعشرين الممزقة بين الرغبات والكوابيس، في مزج خلاق بين رؤيتي إيتالو كالفينو في مدنه اللامرئية الغارقة في الأحلام والأساطير، وكابوسية المدينة لدى بول أوستر بوصفها أدغالاً إسفلتية وخرائط ذهنية.
سيختتم المهرجان فعالياته في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل بمعرض تصوير فوتوغرافي لليلى مريود في المركز الثقافي الفرنسي (حتى 2 كانون الأول/ ديسمبر)، في مقاربات حسيّة جريئة للجسد، بالأبيض والأسود وبالألوان.


حتى 10 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ حارة الزيتونة، دمشق القديمة ـــ للاستعلام: 00963988521799