سوزان عليوان: القصيدة العارية




في ديوانها الجديد «ما يفوق الوصف»، تصفّ الشاعرة اللبنانية الشابة قصائدها، بتقنيات مونتاج متخفّفة من أي تراكم. الحب هو الحاضر الأكبر، بعيداً عن التفجع المعجمي

حسين بن حمزة
بتخلّيها عن فكرة مصاحبة قصائدها برسوم من توقيعها، تكتسب تجربة سوزان عليوان (1974) جرعة نضج إضافية. لم تتسبب الرسوم، المدهشة على أي حال، التي رافقت معظم دواوين الشاعرة اللبنانية، بأي خلل جوهري في كتابتها. لكنّ اختفاء الرسم من مجموعتها السابقة «كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم» (2008)، والحالية «ما يفوق الوصف» (إصدار خاص)، يُخلّص هذا الشعر من شُبهة البراءة واللهو المتسربة من الرسوم المنجزة بمخيلة طفولية. كأنّ الشعر صار عارياً إلا من مهاراته وآلامه، وبات يتنفس برئات أوسع، ويواجه القارئ من دون أي تشويش، حتّى لو كان منطقياً وإيجابياً.
كما هي الحال في مجموعاتها الإحدى عشرة الأخرى، تدعونا الشاعرة اللبنانية إلى إيقاع أبطأ ممّا اعتدناه في القراءة. القصائد هنا موزعة، وفق خطّة إخراجية تكسر التتابع السطري الطبيعي، وتُخضِع الشعر لنفوذ «مقطعي» يسمح بترك مساحات بيضاء داخل القصيدة الواحدة من دون أن يتأثر معناها العام. هناك عصب واحد، يتحكّم في كل السطور والمقاطع التي تبدو كأنها مكتفية بنفسها. لكن القصيدة منجزة بعمليات مونتاج قادرة على تخليصها من أي تراكم بليد، قد يتسبب به التدفق التلقائي غير المنضبط. كأن القصيدة مكتوبة بالقلم والممحاة معاً. لعلّ هذا ما يبرر الإحساس بأنّنا نقرأ أكثر من قصيدة داخل القصيدة الواحدة. في قصيدة «جمال مجروح» التي أُخذ عنوان الديوان من إحدى جملها، تُستهل كل المقاطع بالاسم الموصول: ما. إنّه مفتاح يتكفل بانسياب المناخ الشامل للقصيدة، لكنه يمنح حياةً خاصة لكل مقطع: «ما في هطول المطر يدهشني/ وكأنه في كل مرة/ لأول مرة يسقط/ ما يستوقفني عميقاً/ في وجوه التماثيل المبتسمة/ لعابرين/ ما يأخذني مني كخطوة/ ما يأخذني إليّ كطريق/ ما يوقظني لأحلم/ ما لا يعرفه عني سواي/ ما أخافه/ الأمل ربما/ ما يدفع النهر بعيداً عن نفسه/ ما في الصدق من عصافير ميتة/ وفي وحدتي من أشباح/ ما يكاد يلامس السقف/ ما بين قمر وبئر/ من مستحيل/ ما يذهب بقطار/ أبعد من القضبان/ ما يشبه الغناء/ والمغفرة/ ما يحرّض حجراً/ على حياة صغيرة/ ونحو السواحل يمضي/ ببحر يلوّح/ وحيتانْ/ ما يُخجل الفأس/ وفزاعة الطيور/ ما يعرّيني حتى من دموعي/ ما أودّ قوله/ دون أن يقاطعني فراق/ ما في الكلام من عجز عن الكلام/ ما يضيء الأرض كنجمة/ ضحكتك المكسورة/ ما يفوق الوصف/ والاحتمال».


تحوّل الآلام والخسائر إلى مقتنيات شعرية

كما في هذه القصيدة، غالياً ما تكون وحدة قصيدة مصنوعة من وحدات عديدة. إنها تقنية أو ممارسة شعرية مفضلة لدى صاحبة «لا أشبه أحداً» (1996). ممارسة مصحوبة برهافة لغوية وتخييلية، تجعل الكتابة مادة مشعة، ومصقولة، وهشة، وسريعة العطب في آن واحد. ثمّة صمت وتأمل يجولان في أرجاء القصائد التي تتحول فيها الآلام والخسائر والوحشات إلى كنوز ومقتنيات شعرية حقيقية: «أعرف الألم/ وأعلم أنني في أملي تماديت/ أخذني الهوى/ أبعد من خطوتي ربما/ أجلس الآن على حافةٍ/ كأرجوحة أدلّي ساقيّ/ أغمضُ/ ولا ألوّح لأحد/ الهاوية ورائي/ وليس الغناء طريقاً/ لأتوقف».
الحب هو الحاضر الأكبر، لكنّه منجز بأقل ما يمكن من التفجع العاطفي والمعجمي. الحب غالباً ما يُعمي الشعراء (والشاعرات خصوصاً) عن أداء واجبات الكتابة. سوزان عليوان تنجز ترجمة شعرية تُبعد الحب عن الغزل الساذج والإطراءات الأنثوية السطحية. الحب يصبح جزءاً من الكتابة نفسها. هكذا، نقرأ صوراً مثل: «الروح ترى/ ليست من زجاج/ لأنكسر في يدك»، أو «مكان قلبه تماماً/ فراغُ فراشة». الحب لا يختزل أسئلة الذات كلها، كما أنه يسمح لمكونات أخرى بالتسرب إلى القصيدة. حينها يلمع الشعر من دون وسائل مساعدة، فنتلذّذ بصورٍ مثل: «أتذكر كيف كان العالم/ قبل أن يصطدم كطائر بالزجاج»، و«أسافر وأعود/ في خيط سجادة»، و«فقط لأنني كبحر/ أغرق وأنجو/ بمفردي».