كل ما تريد أن تعرفه عن «الجحيم» الجزائري


عثمان تزغارت
في الغرب، يسمّونها «رواية بمفاتيح» Roman à clés. عمل أدبي يلتحف لبوس التخييل، ليقول عن قضية أو واقعة معينة، ما يعجز التحقيق الصحافي أو البحث التحليلي عن كشفه مباشرة. فمؤلف هذا الصنف الأدبي، صحافياً كان أو باحثاً أو رجل سياسة، يطرق باب الرواية ليعبّر، تحت غطاء الخيال الأدبي، عمّا لا يستطيع أو يجرؤ على قوله من دون مواربة.
ضمن هذا الصنف الأدبي الذي لم يُطرق عربياً إلّا في ما ندر، تندرج رواية نصر الدين علوي «الريميس» («دار الفارابي»). ليس هذا أول عمل أدبي يصدره إعلامي جزائري (علوي صحافي فيقناة «الجزيرة»)، إذ شهدت الجزائر، منذ منتصف التسعينيات، عدداً لافتاً من الأعمال الروائية المكتوبة بأقلام صحافيّة. خلال سنوات «الإرهاب»، اكتوى الإعلاميون الجزائريون الذين طرقوا باب الرواية بالأتون الحارق لبلادهم. وجدوا أنفسهم بين نارين: خناجر الجماعات الإسلامية المتطرفة التي هدّدت بأن تقتصّ بالسيف من كل من يحاربها بالقلم، ورصاص النظام الحاكم الذي تمادى في التضييق على الحريات، باسم مكافحة التطرف حيناً، وباسم حماية القيم الديموقراطية حيناً آخر! من هؤلاء الصحافيين من كتب ليدلي بشهادته الحميمة عن رعب سنوات الإرهاب وبشاعاتها، ومن كتب ليصفّي حسابات سياسية أو شخصية أو ليصنع لنفسه بطولة وهمية. وإذا كان البعض قد انبرى متصدياً للتطرف والظلامية، فإن البعض الآخر كتب لتبرير العنف والتستر على القتلة، فضلاً عمّن كتب مبشِّراً بنوع غريب من الديموقراطية المحمولة على ظهور الدبّابات!
أما رواية علوي «الريميس»، فتنأى عن كل ذلك. مؤلفها إعلامي بارز، هو مؤسس جريدة «اليوم» الجزائرية ومديرها. لم يتوان عن التصدي للتطرف من خلال كتاباته الصحافية، لكنّه لم ينجرّ إلى الفخ ولم يتحوّل شاهد زور، من أجل تبييض صورة النظام الفاسد والمتسلِّط. وحين ضاق سقف الحريات بأكثر ممّا يحتمل، طرح كل شيء جانباً، وغادر البلاد «بحثاً عن أوكسجين أنقى». بذلك، فهو في غنى عن تأليف عمل روائي لاصطناع بطولة وهمية، أو للتعبير تحت غطاء التخييل، عما لم يتمكن من قوله في كتاباته الصحافية.
لماذا هذه الرواية إذاً؟ بعد سنين طويلة من العمل الإعلامي والنضال الديموقراطي خارج الجزائر، أُتيحت للمؤلف فرصة التأمل ووضع مسافة نقدية بينه وبين الأحداث. سمح له ذلك بتوسيع الرؤية، لتحيط بالمشهد الجزائري كاملاً، بكلّ مكوّناته وتناقضاته وغرائبه. بذلك، كان مثل فنان تشكيلي ينهمك طويلاً في رسم لوحته، ويحتاج في لحظة معيّنة إلى أن يتراجع بضع خطوات إلى الخلف، ليتأمل في اللوحة عن بُعد، قبل وضع اللمسات الأخيرة عليها، فينظر إليها بعين الموضوعية وروح النقد.
ولا مبالغة في القول إنّ من أهم ميزات هذه الرواية أنّها تنقل صورة غير مسبوقة عن المشهد الجزائري الملتهب، ما خفي منه وما أُعلن. من خلال مغامرات ضابط أمن يدعى برهان، يدعونا الكاتب إلى رحلة شائكة في كواليس المؤسسة العسكرية والأمنية الجزائرية. يُكلّف برهان بإجراء تحقيق عن شبكات تهريب السلاح من أوروبا إلى


الأجهزة الأمنية مُخترقة من الإسلاميين، وهؤلاء يديرهم العسكر!

الجزائر، وإذا بالصراع المحتدم بين مختلف «جماعات النفوذ» والأجنحة السياسية والعسكرية المتناحرة يتحوّل إلى حالة من البارانويا الجماعية، حيث لا يعرف أحد صديقه من عدوّه. فالأجهزة الأمنية مُخترقة من قبل الإسلاميين، والجماعات الإسلامية يديرها العسكر سرّاً! وضع يدفع بحفنة من الكوادر الأمنيين والسياسيين الغيورين على مصالح الوطن إلى إنشاء تنظيم سري يدعى «الاسنفنجة» يسعى إلى حماية البلاد من الانحدار نحو الهاوية. ومن هنا استعارت الرواية عنوانها «الريميس»، على اسم الهاوية السحيقة التي أُقيمت فوقها مدينة قسنطينة وجسرها المعلَّق الشهير.
لا تكتفي الرواية بتسليط الضوء على ما يدور في كواليس المشهد الجزائري الدامي، من مؤامرات وعمليات اختراق واختراق مضاد. بل يكتشف بطلها، شيئاً فشيئاً، أن الأفرقاء المتناحرين في العلن، تتقاطع وتلتقي مصالحهم في السر، حيث الجميع يغرف من الكأس ذاتها: الفساد!
لكنّ هذه الرواية ليست مرافعة ضد العنف والفساد في الجزائر، فحسب. فهي تروي أيضاً قصة حب بالغة القتامة، يجعل فيها برهان من حبيبة شبابه ريما، معادلاً رمزياً للجزائر، ذلك البلد الجميل الذي سُرق من أهله، وصار لعبة بين أيدي مغتصبيه والمتاجرين به. فخلال مطاردته لشبكات الاتجار بالسلاح، يكتشف أن رأس هذه المافيا متزوج من حبيبة شبابه. يسعى إلى استعادة هذه الأخيرة، بعد القضاء على «رأس الأفعى». لكنه يُصدم في المشهد الأخير، حين يكتشف أن غريمه لم يخطف منه جسد حبيبته فحسب، بل سرق روحها أيضاً. فالتحقيق يقوده إلى اكتشاف حقيقة مفجعة، وهي أنّ ريما متورطة بدورها في مافيا السلاح، وأنّها ورثت إدارتها عن زوجها الذي تولّى برهان إسقاطه. وحين تعترف له بأن عودتها إلى أحضانه لم تكن سوى مناورة للتمويه على نشاطاتها المشبوهة، تقضي عليه الصدمة.