حسين بن حمزة

لم يعد شعر الـ«هايكو» الياباني غريباً عن الذائقة العربية. فقد تُرجمت نماذج كثيرة منه، وباتت أسماء بعض شعرائه الكبار موجودة في ذاكرتنا إلى جوار أسماء وتجارب شعرية عالمية أخرى. إلى جانب الترجمة، حاول بعض الشعراء العرب كتابة قصائد تحذو حذو الهايكو في الاقتصاد اللغوي والكثافة التعبيرية وإنجاز المقطع الشعري بضربة واحدة. البعض نجح إلى حد ما، والبعض الآخر وقع في فخ التقليد الساذج. أضفْ إلى ذلك أنّ تقنية الهايكو تسرّبت إلى تجارب عديدة من دون أن يكون ذلك معلناً أو ممارسة شعرية قائمة بحد ذاتها. داخل هذا السياق، يمكن استقبال «رسائل حب إلى زهرة الأرطانسيا» (منشورات الغاوون)، وهي باكورة الشاعر المغربي أحمد لوغليمي، الذي سبق أن مدّ المكتبة العربية بعدد من الترجمات.
لا يبدو لوغليمي مبتدئاً، ولا يشكو ديوانه من العثرات الكبيرة المصاحبة للبدايات عادةً. نحن هنا أمام تجربة شعرية مستجدّة، لكنها تُظهر درايةً ونضجاً معقولين في النظر إلى الشعر والكتابة. كما أن طموح الشاعر إلى إنجاز كتاب كامل على منوال الهايكو يكشف عن مزاجٍ خاص وميلٍ واضح إلى خوض نوع من التحدي مع نموذج شعري يتطلب احتياطياً ضرورياً من التأمل والذكاء والخيال.


دراية ونضج في النظر إلى الشعر والكتابة
يتضمن الديوان مئة وثلاثين قصيدة تتفاوت في جودتها وقدرتها على إدهاش القارئ. هناك قصائد جيدة لا يسعنا إلا أن نُطيل التلذّذ بالمعنى الذي تكتنزه في داخلها، كما هي الحال حين نقرأ قصيدة «استحياء»: «لشدّة الأزهارْ/ عدلتُ عن/ عبور الغابة»، أو «قمر البركة» : القمر في البركة/ تبعثره/ ضفدعة»، أو «غفلة» : «نظرتي/ تدهسُ شقائق النعمان/ في طريقها إلى الكرز». معظم القصائد مكتوبة بدرجة ما من الاتقان تجعلها جيدة وقادرة على مجاراة ذكاء المتلقي، لكنّ الشاعر يُفاجئنا ببعض المقاطع المباشرة مثل قصيدة «أخوّة»: «نحلة... نحلة/ لا تلسعيني/ فنحن أخوة في العسل»، أو العادية مثل قصيدة «نزيف»: «كم طعنةً تكفيك/ كي تنزف/ قصائد»، أو الفجّة مثل «ورطة»: «وأنت تتعرّين/ تشهرين في وجهي كل ترسانتك/ وكأننا في حرب».
بقي أخيراً أن نشير إلى أن الشاعر انغمس في الهايكو إلى درجة المحاكاة الكاملة التي تُشعرنا أحياناً بأننا نقرأ شعراً يابانياً مترجماً تواصلُ فراشاته ودعاسيقه وحلازينه ويعاسيبه حياتها في النسخة العربية.