في روايته الثامنة التي عرّبت أخيراً، يحافظ الكاتب اللبناني (بالفرنسيّة) على متانة الحبكة والسرد المتماسك. إنّها حكاية بلاد الرافدين بتاريخها وقومياتها وعاداتها التي تجري على مسرحها الحروب والدم والعبث


صباح زوين
الرواية الثامنة لمحمد طعان «سيد بغداد» (دار الفرات ـــــ تعريب موفّق لصلاح سالم)، صدرت بالأصل في لغة موليير عام 2006. منذ روايته «أراشيد» (1997) حتى «سيد بغداد»، ظلّ طعان محافظاً على جودة النص ومتانة الحبكة واللغة والسرد المتماسك. يتمايز نصّه بسلاسة ودفق في سرد الحكاية وتفكيك عناصرها، عبر فصول تتلاحق وتتكامل كحبات مسبحة متناسقة.
وخلافاً للأصل الفرنسي، تأتي النسخة العربيّة للرواية بعنوانين على الغلاف، حيث الأول أساسي هو «سيد بغداد»، والثاني ثانوي يختصر لبّ القصة، وهو «قصة الجندي الأميركي الذي اكتشف سرّ عاشوراء». ولعلّ اختيار العنوان الثاني سببه أنّ الجندي الأميركي يمثل أحد المحاور الرئيسية في الرواية. محاور تنطوي كلها على نقاط متفرعة من فكرة أساسية هي حكاية الشيعة، وخصوصاً شيعة العراق. لكن لو دخلنا في التفاصيل، فسنرى أنفسنا أمام عمارة هائلة من الكلام الذي يراوح بين ما يشرحه الراوي عن أصول المذهب الشيعي. وهنا يأخذنا إلى المصدر، أي إلى التاريخ، وما يشرحه عن تاريخ العراق الحديث مروراً بالغزو الأميركي وانهزام صدام، وصولاً إلى الكلام على الأمور المتعلقة بالبيئة، كالكوارث التي طالت منطقة الأهوار في الجنوب العراقي. هذه المنطقة التي خرّبها نظام صدام بسبب قراره تحويل مياه دجلة والفرات عنها ليسهل عليه القضاء على المتمردين، مروراً أيضاً، بنحو خاص، بجيمي الجندي الأميركي الفار من الخدمة لعدم اقتناعه بمنطق الحرب الكاذب. قبل أن يغادر إلى الأهوار ويستقر فيها ويعتنق المذهب الشيعي، تساءل هذا الجندي مراراً عن جدوى هذه الحرب. ثم التقى مصادفة بالسيد، وهو سيد بغداد كما سمّاه طعان. التقى به في كربلاء حيث إقامته بعد انهيار نظام صدام، فوجّهه السيد نحو هذا المذهب. ولا ننسى تفاصيل مهمة أخرى توقف عندها المؤلف بذكاء، كتلك التي تكلم فيها عن وطبان، وهو أحد المسؤولين السابقين في المؤسسة الاستخبارية لدى صدام حسين.
من خلال هروبه وتنكّره، تمكن وطبان بفضل ممارساته الاستخبارية التي ظل يواظب عليها حتى بعد دخول الجيوش الغربية الى العراق، من العثور على المرأة التي لطالما رغب فيها. إنّها آمنة الكولية (من مجموعة الكوالي المعروفين بولائهم لصدام) التي هربت مع ابن السيد أيام حكم صدام وتزوجته، ما جعل وطبان ينتقم منها بقتل والديها. أما ابن السيد، أي زوج آمنة الشيوعي، فأرسل له وطبان رجاله للقبض عليه، إلا أن الشاب تمكن من الهروب خارج البلاد مع صديقه أحمد الشيوعي أيضاً. لكنهما عادا إلى العراق، ومات أحمد ـــــ صديق زوج آمنة ـــــ بطعنة يوم عاشوراء من قبل وطبان الذي كان متنكراً بزي امرأة. إلا أنّ آمنة التي كانت تشارك في هذا الاحتفال الديني، فضحته، وكان للمصلين الذين عرفوه، وتذكروا شرّه أيام الحكم البائد، أن مزقوه حتى مات بين أيديهم.


أبدع الكاتب في الإحاطة السيكولوجيّة لشخصياته
يصف الكاتب وطبان وصفاً مؤثراً وذكياً، إذ حوّله أسير ذاته وأسير الغزو الأميركي. ورغم أنه حوّل آمنة بدورها إلى أسيرة في غرفته تهابه، وظلَ متمكناً من أساليبه الاستخبارية (ظل يستعمل زلمه للوشاية، وبعد نيل مراده، يقتلهم)، إلا أنّه لم يتمكن من السيطرة عليها خارج الغرفة لكونه يخشى الخروج والوقوع بين أيدي الجنود الأجانب. أصبح إذاً الجلاد والضحية معاً. وفي هذه المحطة المهمة من الرواية، أبدع طعان في دخول البسيكولوجيات الدقيقة لشخصياته المختلفة. ولا يمكننا إغفال محطة أخرى في الرواية، ألا وهي تلك التي تحكي عن المقابر الجماعية التي أنشأها صدام. بعد اكتشافها من قبل الوحدات الإنكليزية، بلغ الروائي أوج الحبكة عندما كشف كيف أن الضحية والجلاد دفنا في الحفرة ذاتها (زوج آمنة وعنصر الاستخبارات الذي كان يطارده).
قصة حزينة ومعقدة، حيث الخراب والدمار اللذان لحقا بالبلاد ترافقا مع خراب روحي ونفسي. فردَ الروائي مساحات متساوية في الكتاب لفصوله الـ25، حيث كل موضوع وكل شخصية نالا معالجته الأدبية بانضباط ومتانة. شرّح التاريخ والمواضيع الأخرى كالغزو والبيئة والسوسيولوجيا البغدادية والكربلائية ـــــ الأهوارية، والقوميات والعادات والإثنيات. رواية تداخل فيها العبث والجنون والموت والهذيان، غنية تشبه عاشوراء.