صلاح حسن

يبدو أنّنا لن نستطيع أن نتخلى عن خدمات فرويد ونحن نوثق كل يوم غرائزنا التي تنحدر مع مرور الوقت، حتى يخشى المرء أنّه قد يعود حيواناً غير معقلن في يوم من الأيام. كتاب الباحث نادر كاظم «كراهيات منفلتة» (الدار العربية للعلوم ـــــ ناشرون) يعيدنا بقوة إلى المصائر التي تنتظرنا، نحن سكان هذه المنطقة من العالم التي تزدهر فيها الكراهيات المجنونة مثل الفيروس. لن نبحث للقارئ عن أمثلة، فهي كثيرة يعيشها يومياً من المغرب إلى العراق. إذا كانت الكراهية وفق فرويد غريزة غير قابلة للاستئصال من النفس البشرية، فإنّ «المجال العام» أو الرأي العام العالمي، بتعبير الفيلسوف الألماني هابيرماس، لم يستطع أن يعقلنها حتى هذه اللحظة، وفي أكثر الديموقراطيات مثل أميركا وأوروبا. وهنا تتجلى عندنا بطريقة أقل ما يقال عنها إنها تجاوزت المرحلة الحيوانية بكثير حين نتعرف في العراق أو فلسطين أو لبنان أو السودان على كراهيات يتفنّن الكارهون في استنباطها وتقديمها، كما لو أنّها براءة اختراع. ما حدث في العراق إبان الحرب الأهلية لا يمكن أن نجد له أمثلة مقارنة، لأنه غير مسبوق حتى في المجتمعات ما قبل إنسانية، لأنّ فيه خيالاً لم يراود أي مخرج سينمائي.
انتعاش الكراهيات بين الناس يستمد قوته من العزلة الجغرافية كما يقول نادر كاظم، ومن الانكفاء والسرية والتقية. لكنّ التطور الحاصل في العالم الحديث، وخصوصاً في تقنيات الاتصال، لم يستطع القضاء على هذه الكراهية إن لم يكن قد وفّر لها وسيلة سريعة لإيصالها في أقل وقت ممكن. وإذا كانت العزلة توفر طريقة مثالية لنمو الكراهيات داخل هذه الجماعات، فإن وسائل الاتصال الحديثة تعينها على إعادة إنتاج كراهياتها عبر هذه الوسائل بسهولة أكثر مما كان يتوقع العلماء والفلاسفة.
واللافت أنّ الكراهية لا تتجه إلى أشخاص غير مهمين بقدر اتجاهها إلى أكثر الناس أهميةً، وإلا لماذا يكرهك الناس إن لم تكن مؤثراً في محيطك؟ لا تتعدى الكراهية الأشخاص بوصفهم أصحاب أفكار أو


لا يخفي المؤلف انحيازه إلى فرويد، بدلاً من ماركس وانغلز
زعماء، لكنّها تطال أيضاً المفاهيم والقيم والانتماءات واللون واللغة. يمكن أن تقع ضحية للكراهية لمجرد أنّك تؤمن بفكر معين أو تنتمي إلى جماعة محددة. أكثر الأمثلة جدية يناقشها نادر كاظم عبر تصورات ماركس وانغلز عن البورجوازية والبروليتاريا والمجال العام وقدرته على إلغاء هذه الكراهيات بعد تسلّم العمال سلطة العالم.
لا ينفي المؤلف أنّ فكرة ماركس وانغلز لم تكن صالحة لهذا التفسير، ولا يخفي انحيازه إلى فرويد في تقدير هذا الأمر، لأنّه لا يملك خياراً آخر لإثبات ما يريد أن يصل إليه. وقد فعل حسناً حين اختار الحقيقة العلمية بدل الأوهام التي عاشتها أجيال كثيرة لم تحصد طيلة عقود غير الإذلال والمهانة والتكفير، لمجرد أنّها كانت تنتمي إلى هذه الأفكار. أهمية الكتاب تنبع من أنّ منطقتنا تجتاحها كراهية أقرب إلى الفيروس، وتنذر بتصاعد كراهيات منفلتة وعريقة قد تنقل المنطقة كلها إلى حالة سمّاها الجاحظ «نفس العرب»، تلك التي لا تبقي ولا تذر. هذه الكراهية الموغلة في التاريخ لا تضع أي حاجز في حسبانها، حتى لو كان الشخص مصدر الكراهية... أخاك.