على خطى مواطنه هشام جعيط في مشروع «الفتنة»، يسير رضا بن علي كرعاني مقتفياً أثر «أعداء محمد زمن النبوة» (دار الطليعة). الباحث التونسي يبرز أهمية العامل الاقتصادي في رفض الدعوة الإسلاميّة


ريتا فرج
«أعداء محمد زمن النبوة» (دار الطليعة) عنوان قد يبدو خارج المشاريع الفكرية التي تنهل من التاريخ ووقائعه لإخراج الإسلام من أزمته المعاصرة، لكن أطروحة التونسي رضا بن علي كرعاني الجديدة، ومناهجها، وأسلوبها الرصين، والقدرة على التحقق من الإشكاليات المطروحة عبر موضعة الظاهرة المدروسة في إطارها التاريخي، تفاجئ القارئ بمعطيين أساسيين: الموضوعية في مقارعة المصادر الإسلامية، وتوظيف المناهج الحديثة في دراسة خصوم الرسول وأعدائه، في مرحلة الإسلام المبكر، مثلما فعل هشام جعيط في مشروعه التأسيسي «الفتنة».
من مكة الى أهل اليمن، يتحرى الكاتب عن أعداء محمد، مقسماً كتابه الى قسمين: أعداء محمد من أهل مكة وأهل يثرب، وأعداء محمد خارج مكة ويثرب.
قريش، خطت الخطوة الأولى في صدّ رسالة التوحيد عند محمد. المؤشر المهم الذي يلحظه كرعاني أن العامل الاقتصادي كان وراء معاداة رجالات قريش للرسالة المحمدية: «إنهم ينتمون في معظمهم الى أقوى عشائر قريش وأكثرها ثراءً». ولا شك في أنّ هؤلاء تخوفوا على نفوذهم من الدين الوليد، فكيف انقلبت قريش على إرثها الديني والاقتصادي؟ وما الذي تغير في النشاط الديني الذي ساد مكة قبل التوحيد وبعده؟ هل تجيب أطروحة يوسف شلحد «بنى المقدس عند العرب قبل الإسلام وبعده» عن مؤثرات تاريخ ما قبل الإسلام؟
ما إن بدأ محمد تسفيه آلهة قريش الوثنية، حتى اتضحت الملامح الأولى لعداء أسياد مكة، التي أجبرت الرسول وأتباعه على الهجرة الى يثرب. على قاعدتي وحدانية الله، ومبدأ البعث والحساب، رسّخ سادة قريش عداءهم. ورغم أنهم تعرفوا على التوحيد والبعث بعد الموت بسبب وجود اليهود والنصارى، ومارسوا الختان، لم يتوانوا عن محاربة محمد «بأنشطة فعلية وقولية». واللافت أن أهل مكة تعاملوا بشيء من التسامح مع الجماعات الدينية الأخرى، فالرابط التجاري جمعهم. تجارة مكة التي بنت عليها قريش نفوذها، مثلت أولى إرهاصات العداء. هؤلاء خافوا على مواردهم الاقتصادية، بما تمثّله الكعبة من مصدر اقتصادي، «فكان الحج مناسبة دينية ومناسبة اقتصادية، وكان أهل مكة يستفيدون من قدوم وفود العرب الى مكة تعظيماً لبيت الله الحرام». وعليه كيف انتقل الحج الى الكعبة من تعدد الآلهة الى التوحيد؟
في المرحلة الأخيرة من الجاهلية، ومع تعاظم النفوذ التجاري لأهل مكة، كانوا ينتظرون ظهور مصلحين، ويتمنون أن يكون لهم كتابهم ورسولهم كما الحال عند النصارى واليهود. هذا ما يلفت اليه كرعاني. لكن ثالوث المعتقد الديني، والمكانة الاجتماعية، والمصالح الاقتصادية، تحكمت في علائق أسياد مكة مع رسالة التوحيد.
مع الهجرة الى يثرب (المدينة)، اتخذ الصراع بين محمد وأهل مكة طابعاً حربياً، وبدت صورة الأحداث أوضح مما كانت عليه في الفترة المكية. القرآن تحدث عنها بوضوح، والذاكرة الجماعية تناقلتها. الفترة المدنية أظهرت الطابع السياسي، على خلفية «تحالف محمد مع الأوس والخزرج ضد قريش»، وأبرزت وجهاً جديداً، للرسول، وجه القائد العسكري والسياسي. وبدقة علمية تستند الى تفكيك النصوص، يشرح الكاتب المفارقات في ما يتعلق بتدوين الأحداث منذ بداية الدعوة، وصولاً الى العداء بينه وبين أهل اليمن. السيطرة على الخط التجاري بين مكة وبلاد الشام، لم تحرك وحدها استراتيجية محمد: «كان على وعي تام لمكانة مكة الخطيرة عند العرب، فأظهر إصراراً قوياً على السيطرة عليها» كما يؤكد كرعاني.


الرسول لم يعادِ اليهود، بل سعى الى تأسيس أمة تتسع لهم
لا تروي المصادر الكثير عن أعداء محمد من يهود يثرب، لأنّ معظمهم «لم يصدقوا بنبوته واتخذوا موقفاً معادياً منه». عداؤهم لمحمد اتخذ منحى صدّ الناس من الدخول في الدين الجديد، والمشاركة في الحرب ضد أتباع الرسول. ورغم أن الرسول سعى إلى بناء أمة «تجمع المهاجرين وأبناء عشائر الأوس والخزرج»، وهي قبائل يهودية، فما لبث اليهود أن جادلوه «عقائدياً وسياسياً» كما يلفت كرعاني. فيما لم يعاد الرسول اليهود، بل سعى الى تأسيس أمة تتسع لهم، غير أن الافتراق الذي وقع لم يكن سببه دينياً، بل كان اقتصادياً ومجتمعياً، فهؤلاء كانوا «يسيطرون على يثرب زمن قدومه اليها».
أعداء محمد خارج مكة ويثرب، كانوا من أهل الطائف، وأعراب الحجاز وأهل خيبر، وبعض قبائل جنوب بلاد الشام، هذه القبائل الموزعة بين النصرانية والوثنية. واللافت أن العداء بين اليهود ومحمد رافقه منذ بداية دعوته، فيما «النصارى» كانوا بعيدين، ربما لضعف وجودهم في الجزيرة العربية. ونلحظ أن عداوة اليهود كانت أشد وطأة. عداء اقتصادي، رافقته دعوات إلى الفتنة وتفكيك أواصر الجماعة الإسلامية الأولى.
أهمية أطروحة رضا بن علي كرعاني متعددة الجوانب: فقد قارب النصوص التأسيسية بمنهجية علمية مقارنة، وبنى عليها نتائجه. ولم يبد أي انحياز، طوال تتبعه لمسيرة محمد مع أعدائه من مكة الى أهل اليمن، إلّا للتحقق من إشكالياته. ورافق تمثلات الرسالة المحمدية وعلائقها مع القبائل من أبعاد مختلفة، لعل أهمها البعد الاقتصادي الذي رسم الحيز الأشد حضوراً في علاقة محمد بخصومه.