الجزائر ـــ سعيد خطيبي

اختار عمارة لخوص (1970) لروايته الجديدة عنواناً يحيل إلى رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة» (1945) التي قرأها وهو في الرابعة عشرة. الروائي والباحث الأنتروبولوجي الجزائري المقيم في إيطاليا، أصدر «القاهرة الصغيرة» بالعربيّة، في نيسان/ أبريل الماضي في طبعة مشتركة بين «الاختلاف» (الجزائر)، و«الدار العربية للعلوم» (بيروت). ثمّ عاد ليحتفل أخيراً بترجمتها إلى اللغة الايطالية، بعنوان مختلف «طلاق على الطريقة الإسلامية في حي ماركوني» (دار شرق/ غرب). «كتبت الرواية قبل اندلاع الأزمة بين الجزائر ومصر، وهي محصّلة أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها في جامعة روما، عن حياة المهاجرين، قبل حوالى سنتين»، يخبرنا لخوص. «بدل نشر الأطروحة في كتاب نقدي، أعدت صياغتها روائياً».
تسرد الرواية الحياة المتسارعة والمضطربة التي تعرفها شخصية البطل ـــ الراوي كريسيتان مزاري، الايطالي من أصول تونسية. يتقن كريسيتان العربية، ويعمل مترجماً في محكمة باليرمو (جنوب إيطاليا). وذات يوم، تكلفه الاستخبارات باختراق جماعة مهاجرين من أصول عربية. المجموعة المشتبه بأنها تخطط لتنفيذ عمليات تفجير في روما، تتخذ من متجر «القاهرة الصغيرة» للاتصالات، في حي ماركوني، مقراً لها. «عشت في الحي حيث تدور الأحداث أربع سنوات، واستثمرت تجربتي الميدانيّة في الرواية». تسلِّط الرواية الضوء على شخصيات أخرى متناقضة في مساراتها، تجمع بينها سخرية القدر، مثل حنفي، التاجر المصري المتعدد الزيجات، والإمامين «سينيور حرام»، و«سينيور حلال»، وصفية أو «صوفيا» التي كانت تحلم أن تصير مصففة شعر، قبل أن يفرض عليها زوجها ارتداء الحجاب.


روايته «القاهرة الصغيرة» هي في الأصل أطروحة دكتوراه

«إننا نعيش وسط التناقضات التي جاء توظيفها في الرواية، انعكاساً لتأثري بمدرسة الكوميديا السوداء في السينما الايطالية التي طالما منحتني نظرة مختلفة ومتفائلة للحياة»، يلفت لخوص. هذا التيار أثّر في اختياره عناوين طويلة لكتبه بالايطالية، إذ حملت روايته السابقة عنوان «صدام الحضارات في مصعد يبياتزا فيتوريو»، أو «كيف ترضع الذئبة من غير أن تعضك» التي ترجمت إلى خمس لغات، وطبعت في 15 طبعة، واقتُبست للسينما.
أمّا روايته الجديدة «القاهرة الصغيرة»، فتحكي عن اتساع آفة «رهاب الإسلام» (الاسلاموفوبيا) والعنصرية تجاه العرب والمسلمين، في أوروبا إجمالاً، وإيطاليا على وجه الخصوص: «أحداث 11 أيلول (سبتمبر ) 2001، فرضت علينا واقعاً جديداً في أوروبا. صحيح أننا نعيش تحت وطأة العنصرية، لكن من الواجب الإشارة إلى أنّ ايطاليا، على غرار دول أوروبية أخرى، توفر هامش حرية المعتقد. وهذا الهامش أفضل بكثير مما هي عليه الحال في بعض الدّول العربيّة والإسلاميّة».
السينما، والأدب الايطالي، ومغامرات الحب، وتجربة استكشاف عوالم المافيا، عناصر اجتمعت في تشكيل الخيال الروائي لدى عمارة لخوص. فهو يعتبر نفسه حفيد محمد ديب، ومولود معمري، ورشيد بوجدرة، والطاهر وطار، ولا يخفي ولعاً بروايات ليوناردو شاشا (1921-1989) صاحب «كلمات متقاطعة» (1983). «تهتم الروايات البوليسية الكلاسيكية بالبحث عن الحقيقة»، يختم عمارة لخوص. «أما أنا فيعنيني، سرد أقدار الشخصيات، لا الإجابة عن التساؤلات».