ليال حداد

يوم حصلت لطيفة قصير على الطلاق، ظنّت أن كابوس تعنيفها اليومي انتهى. انتقلت وولداها جنى (9 سنوات)، وخليل (7 سنوات) إلى منطقة سن الفيل البعيدة عن محيطها الاجتماعي في محاولة لبدء حياتها من جديد. لكن طليقها اختار لها مصيراً آخر. حضر إلى منزلها، أرسل الطفلَين إلى المدرسة، ثم عاد لينقضّ على زوجته بالضرب ثلاث ساعات، قبل أن يخنقها. ماتت لطيفة. لكن كل هذا العنف لم يشف غليل الزوج، فاستمرّ في تعنيف جثّة زوجته السابقة بعدما فارقت الحياة. لم تكن وفاة هذه المرأة اللبنانيّة سوى الفصل الأوّل من المأساة التي سيعيشها طفلان اكتشفا جثّة والدتهما لدى العودة من المدرسة.
شريط ديانا مقلّد «عن لطيفة والأخريات» (إخراج فرح فايد، 52 دقيقة) يستعيد مساء اليوم، على «أخبار المستقبل»، تلك المأساة التي وقعت في لبنان خلال شهر نيسان (أبريل) 2010. ويتناول أيضاً مأساة آمنة بيضون (18 سنة) التي عادت من أفريقيا في تابوت بعدما ضربها زوجها حتى الموت، و«جلجلة» ألماظة الحوراني التي عنّفها زوجها لسنوات ولا تزال تسعى إلى الطلاق منذ أكثر من 13 عاماً.
«بدأت العمل على الشريط بداية الصيف بعد وفاة لطيفة قصير التي هزّتني شخصياً»، تقول مقلّد لـ«الأخبار». وتضيف: «لا يدور الشريط حول لطيفة وآمنة وألماظة. بل هي أيضاً قصة أولاد لطيفة». وتستفيض مقلّد شارحة معالم الذهول التي لا تزال بادية على وجهَي جنى وخليل الصغيرَين: «لا يزالان يتذكّران العنف الذي كانت تتعرّض له والدتهما من أبيهما». تنفعل ديانا وهي تتحدّث عن مآسي النساء المعنّفات في لبنان: «بقيت لطيفة عشر سنوات تسعى إلى الطلاق، وخصوصاً أن زوجها مدمن، لكن القانون لم ينصفها ولم تحصل عليه إلا متأخّرة».

تنطلق ديانا مقلّد من قصة لطيفة التي قتلها زوجها هذا العام في بيروت
إنّه القانون اللبناني إذاً، لا ينصف النساء، ولا يؤمّن لهن الحدّ الأدنى من الحماية. ويأتي عرض هذا الشريط ضمن حملة الـ 16 يوماً التي أطلقتها جمعية «كفى عنف (اً) واستغلال (اً)» لإقرار «قانون حماية النساء من العنف الأسري» في مجلس النواب. وكان «عن لطيفة والأخريات» قد عرض يوم الخميس الماضي في مسرح «بابل» في انطلاق حملة الجمعيّة المذكورة.
لكن كيف عالجت ديانا مقلّد هذا الموضوع الشائك؟ وهل سنشاهد في الشريط كالعادة مقابلات تقليدية مع محللين نفسيين، وقانونيين، ورجال دين؟ وماذا عن موقف الأزواج ـــ القتَلة؟ أسئلة كثيرة ترتسم كل مرة يجري فيها التطرّق إلى موضوع ما زال من «المحظورات» في المجتمع اللبناني. تجيب الإعلامية بعفويّة ووضوح، كمن تبدو له المسألة بديهية: «اخترت عرض القصص الثلاث فقط، من دون الدخول في جوانب أخرى، في النهاية أنا صحافية ولست باحثة، وأردت تسليط الضوء على آفة اجتماعيّة كبرى هي تعنيف النساء حتّى الموت أحياناً». وتلفت مقلّد إلى ثلاث جرائم قتل وقعت في لبنان خلال عملها على الموضوع، كانت ضحاياها نساء، في إطار مشابه تماماً لما يتناوله الفيلم. مضيفة إن هذه الجرائم موجودة في لبنان منذ زمن طويل، «لكن كان يجري التعتيم عليها».
وفي انتظار أن يُقرّ قانون حماية النساء، فلنشاهد الشريط الليلة. هل ستسقط ديانا مقلّد في فخ المعالجة السائدة (الفولكلوريّة غالباً) لهذه الآفة الاجتماعيّة، وتلجأ إلى الكليشيهات الذكورية التي تستعمل عادةً في مقاربة هذا الموضوع؟ أم أن الإعلامية التي قدّمت أكثر من عمل عن الظلم الذي تتعرّض له النساء في العالم العربي ــــ وخصوصاً في ما يتعلّق بجرائم الشرف ــــ ستجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها (تواطؤ البنى السياسيّة والقانونيّة والاجتماعيّة على حقوق المرأة)، وتسليط الضوء على تلك الحقيقة السافرة؟

الليلة 19:00 على «أخبار المستقبل»