نيويورك ــ عمر خليفة

في المكان نفسه الذي استضاف أدونيس منذ أسابيع، وسمعه يتحدّث عن «تخلّف العقل العربي»، أحيا نجوان درويش أمسيته الشعريّة قبل أيام. كان ذلك في «التفاحة الكبيرة»، أمام جمهور متنوّع بتنوّع المكان النيويوركي، جاء للقاء زميلنا الشاعر الفلسطيني. وشهد اللقاء نقاشاً في كيفية جمع الشاعر بين الانتماء للقصيدة والانتماء للواقع، وكيف له أن يكتب فلسطينه، أو ذاته، أو كليهما، شعراً. هل يخون أحدهما إن طغى الآخر على النصّ؟
الأمسية التي استضافها مركز «ألوان للفنون» في «داون تاون» مانهاتن، جاءت فلسطينية بامتياز. قرأ نجوان بعضاً من نصوصه، مع ترجمة إنكليزية قرأتها الكاتبة الفلسطينية سوسن حماد، وبتقديم الأكاديمي الفلسطيني وأستاذ الأدب المقارن بشير أبو منة الذي وصف شعر الضيف المقدسي بأنه «حاد، وواضح، ونقدي». وفيما ينفر بعض القراء من أي شعر يجمع بين تلك الصفات، باعتبار الوضوح تهمة، فإنّ بشير أبو منة عدّ شعر نجوان ناجحاً للأسباب ذاتها، إذ رأى أنّ بعض الشعر الفلسطيني مفصول تماماً عمّا يحدث على الأرض، ذاتي إلى درجة الوهم، بحيث إنّ فلسطين/ الحقيقة لا تحضر أبداً. ونجوان استطاع ــ برأي الباحث ــ عبر تركيبة تجمع بين الوفاء للواقع ولشروط الكتابة الشعرية معاً، أن يقدم رؤية أمينة أخلاقياً للحياة الفلسطينية.
تأخذ قصيدة نجوان، إذاً، موقفاً «سياسياً» من الواقع، لكنّها تفعل ذلك بلا فوقية. صوت الشاعر ليس صوت نبي أو معلم. إنه فقط ذلك الذي يأخذ منك الصورة ليضعها لغة، ويأخذ المأساة ليؤكدها.

بعض الشعر الفلسطيني منقطع تماماً عن الواقع (ب. أبو منة)
ولأنّ حديثاً عن فلسطين والشعر لا يمر عادةً من دون ذكر محمود درويش، فإن سؤالاً من الجمهور أتاح لنجوان التحدث عن علاقته بشاعر الأرض. عاب الشاعر الشاب على الكثير من أقرانه الفلسطينيين أنّهم قتلوا أصواتهم الخاصة حين أخذوا يحاكون شعر درويش، «فيما هناك مئات الشعراء الممتازين الذين تجدر قراءتهم». «محمود شاعر جيد»، علّق نجوان، قبل أن يستدرك: «إنّه شاعر أساسي، ضمن مجموعة كبيرة من الشعراء. أما المكانة التي يحتلها، فلا تنبع فقط من شعره، بل من الظروف التاريخية والسياسية التي أحاطت بتجربته». قد يختلف كثيرون مع نجوان هنا، لكن موقفه النقدي يكتسي أهميّة خاصة، إذ يعكس كيفيّة نظر جيل الشعراء الشباب في الداخل الفلسطيني إلى شعر محمود. وفاجأ شاعرنا الجمهور حين اعترف بأنّ محمود درويش ليس من شعرائه المفضّلين: «لم أقرأ محمود كثيراً، ولا نيرودا، ولا باولو كويلو. أفضّل الحدائق السرية على الحدائق العامة».
الترجمة الإنكليزية لشعر نجوان نجحت في نقل شعرية القصيدة بأمانة، وهو تفصيل مهم إذا عرفنا أن نصف الحضور لم يكن يعرف العربية، ما أتاح مجالاً لنقاش «المعنى» الشعري الذي ركّز عليه أبو منة في مداخلته. أطول النصوص التي قرأها نجوان قصيدة بعنوان «فبركة»، أثارت نقاشاً وجدلاً بين من عدّ خطابها السياسي واضحاً، ومن عدّه مربكاً ومحيّراً. علّق نجوان على النص ساخراً بأنه «مقالة تحوّلت إلى قصيدة». الممتع في القصيدة أنها تطمس المسافة بين الحقيقة والوهم. ما الذي حدث ولم يحدث في تاريخنا الفلسطيني؟ ربما لم يضع شيء. قد يكون كل هذا حلماً سنستيقظ (أو ربما علينا أن نستيقظ) منه قريباً.