«ألفريده يلينك» العراقيّة تفرك اللغة بليفة خشنة
تدور أحداث روايتها الثامنة «غرام براغماتي» (دار الساقي) بين باريس وبرايتون تباعاً، مكان إقامة «راوية» المفتونة بلعبة الانتظار، و«بحر» الذي لا يصل إلا متأخراً. لقد اختارت الكاتبة العراقيّة، الباريسيّة الإقامة، أن تفرّق الحبيبين المسكونين بذلك المكان الذي بدأ يتحطم باكراً

نوال العلي
أمسكت عالية ممدوح نبتة الحياة، نزعت عنها أوراقها وأبقت عرقاً واحداً فقط. أبقت على الحب. الروائية العراقية المقيمة في باريس، تركت الحب يتعرى في «غرام براغماتي» (دار الساقي)، وجعلتنا نستمتع بشمّ تلك الرائحة الخاصة لملابسه الداخلية الناعمة والمثيرة، وهي تتساقط قطعة تلو أخرى.
لعلهّ يأتي وقت ونحب مثلما فعل العاشقان: «راوية» المنشدة العراقية الفرنسية بطلة الرواية، و«بحر» المصور العراقي البريطاني نصف الألماني. كأن نسير في الحكاية وبمحاذاتها أيضاً، أو نتراجع أمامها القهقرى. الحكايات لا تسبق المعرفة لدى صاحبة «المحبوبات». الحكايات كما اعتدناها من عالية تحدث لأننا نعرفها، وتحدث رغم أننا بتنا نعرفها، وتتحقق مثل كذبة حالما نفكر بها.
«غرام براغماتي» روايتها الثامنة. وربما كان علينا التوقف قليلاً أمام تجربة تتمتع بفرادة في الرواية العربية الحديثة، والرواية التي تكتبها المرأة بنحو خاص. برزت عالية، وقلة قليلة مثل هدى بركات، كصوتين يغردان خارج السرب.
أصدرت عالية ممدوح (1944) مجموعتين قصصيتين هما «افتتاحية للضحك» ثم «هوامش السيدة ب» لتبدأ مشوارها مع الرواية، وتصدر «ليلى والذئب». ثم توالت الأعمال السردية التي ظهر فيها الجنس غامضاً مثل ابتسامة الموناليزا، شهياً إيروتيكياً بلغة ليست فجّة ولا ناتئة ولا خجولة، بل في غاية التشهي والأناقة.

كتبت الحب شهياً، إيروتيكيّاً، بلغة ليست فجّة ولا خجولة
لطالما كان الجسد ومفرداته الجسر الذي داسته عالية مراراً من دون أن ينقطع. قدمته كل مرة من زاوية جديدة، واستعملته لتقلب فستان الحياة من جوانبه الاجتماعية والسياسية، فنتمكن من رؤية جودة الخياطة الداخلية أو سوءها. هكذا جاءت «حبات النفتالين» التي طرقت فيها العداء المستحكم بين الإنسان والمجتمع، ثم «الولع» التي استندت إلى رسائل بين صديقتين عن المخاوف والاغتراب، عبر حياة هدى العراقية المغتربة في بريطانيا وبثينة المصرية.
أمّا «محبوبات» التي نالت عنها «جائزة نجيب محفوظ 2004»، فقد جعلت من عالية ممدوح «الروائية». وفيها ذلك التداخل المشوّق بين شخصيات نسائية من مشارب مختلفة تُقيم في باريس: كارولين السويدية، ووجد المصرية، ونرجس اللبنانية وبلانش العراقية يجتمعن حول كبيرة المحبوبات العراقية، سهيلة أحمد الشخصية الأساسية. ذكرتنا في هذا العمل بفرادة النمساوية ألفريده يلينك. هكذا حتى كتبت التحفة الأدبية «التشهي» التي داخلت بين الجنس والسياسة. أمتعتنا هنا بقدرتها على التحدث بصوت اللذة الذكورية، وبمسافة قريبة جداً من الحياة الجنسية الداخلية والذهنية للرجل. وهو ما تكرر في «غرام براغماتي»، وخاصة في الفصول التي تحدث فيها «بحر» عن علاقته كصياد للنساء.
تقوم الرواية على افتتان «راوية» بلعبة الانتظار، وتعاطيها هذا الانتظار بشراهة. لنرَ كيف تدور القصة بين مدينتين: باريس حيث تقيم راوية، وبرايتون حيث يقيم بحر. يلتقي الاثنان ويتعارفان من طريق الأصدقاء. ورغم تحقق الغرام بينهما، استطاعت ممدوح أن تفرق بين الحبيبين من حيث أرادت جمعهما. جعلت من الكتابة رديفاً لفعل الغرام نفسه، إن لم تسبقه. يبدأ الاثنان بتدوين كيف فكّر ويفكّر كل منهما في الآخر. سنجد العمل مقسماً إلى فصول، كل فصل على لسان أحد العاشقين. لعبة في منتهى الذكاء، يقضي القارئ وقته في توضيب منزل راوية معها، والاستماع إلى رسائل بحر الصوتية التي لا تجيب عنها. راوية غارقة في تبييض الشقة، وتخيل حركة «بحر» في المكان ثم تنفيذ المكان بحيث يليق بحركة بحر المفترضة. ثمة خطان متوازيان: لقاءاتهما الفعلية التي تستعاد بومضة هنا أو هناك، ثم اللقاءات التي ما زالت في علم الغيب.
ولأن الكاتبة تحب لعبة كرة القدم، قد تفلت منّا كلمة «ملعوبة يا عالية». لنر كيف تتحدث عن الاستحمام بلساني حال المرأة والرجل. راوية تستدعي قسوة أمّها في فرك جلدها بالليفة العراقية الخشنة، مثلما يستدعي بحر الحمامات العامة وقسوة الاستحمام. في المقابل، تفكر في متعة تحميم حبيبها، كاشفة قدرة عالية على قراءة فكرة المرأة والرجل عن اللذة. بحر لا يحب الاستحمام، وينتظر من راوية أن تفركه بلسانها.
راوية تفرك جسد بحر في خيالها، وعالية ممدوح تفرك الكتابة بليفة عراقية خشنة مستدعية موروثها الشعبي وثقافاتها والأشعار البابلية القديمة. نفعية حقاً أن نقترح الغرام طوقاً لنا جميعاً. في اللحظة التي تفقد فيها راوية الأمل من بحر، يقطع الأخير التذكرة المنتظرة إليها. لكن «شو همّ؟» طريق راوية إلى الحب كان أجمل من الحب.


أن نتلهى عنهم بانتظارهم

«غرام براغماتي» هي أيضاً قصة حب بين مدينتين، وكل شخص مدينة، حسبما تقول راوية، أو نصف مدينة لا شرقية ولا غربية، مثلما هي الشخصيات المشطورة الهوية هنا. بغداد حاضرة مثل طيف خفيف، حيث ذكريات قليلة تناثرت هنا وهناك. الحب على طريقة عالية ممدوح، أن نتمكن من التلذذ بانتظارهم، ولا يأتوا، وأن نتلهى عنهم بانتظارهم مثلما فعلت بطلتها. على الأقل، سيتعلّم القارئ شيئاً عن الحب من الكاتبة: «كنت أصرخ وأشتمك يومياً، فأنت لا أثر لك هنا، أجل هنا في هذه الشقة، على أحدنا أن يكمل الأسوأ في النهاية. فنحن لم نضع أي علامة على وجودنا إلا هذه المخطوطة، وهي في يدي، وأنا أحب يدي ولا أشك فيها، لكنها بدأت تتصلب وتتشنج كأصابع قدمي، وهذا أمر رائج هذه الأيام، وعلى الخصوص للنساء المبتهجات المستوحشات من وجودهن (...) الحب يثقل كاهل المرء فيجعله هشاً وقليل الحيلة».