ضمن سلسلة تقارير أعدّتها مراسلتها في العراق، عرضت otv الأسبوع الماضي تقريراً عن الوجود اللبناني في كردستان العراق. لكنّ الصحافية الشابة استخدمت تعابير مثقلة بالإيحاءات العنصريّة والذكوريّة


نادين صاليبا
تقرير جديد من العراق بثته محطة otv لمراسلتها جوزفين ديب يوم الجمعة الماضي. هذه المرة كان الموضوع الوجود اللبناني في كردستان العراق. وهي المنطقة التي تشهد حراكاً اقتصادياً واجتماعياً بات معروفاً. لكن المفاجأة كانت في بعض التعابير التي استعملتها ديب. إذ استخدمت بسهولة مطلقة عبارات «كريستوفر كولومبوس»، و«الأرض العذراء»، و«أفريقيا جديدة»، في استحضار واضح لكليشيهات الخطاب الاستعماري الكلاسيكي المثقل بإيحاءات عنصرية، وفوقية ذكورية. ببساطة، هي لغة ظننّا أنها دفنت، لكن يبدو أن أشباحها لا تزال تطاردنا.
لا ينكر أحد الحس المغامر الذي يتمتّع به اللبناني، وبحثه الشّرِه عن الذهب والثروات في مختلف أنحاء العالم. ولكن رغم أوجه التشابه بينه وبين كريستوفر كولومبوس، تبدو المقارنة مستغربة. أولاً لأنّ هذا الأخير ظنّ أنه وصل الى الهند عندما وصل الى جزر في البحر الكاريبي. ثم إنّه جزّار قضى على سكان هذه الجزر المسالمين ـــ وفقاً لتقاريره هو ـــ من الرجال والنساء والأطفال. باختصار، فإنّ كولومبوس هو فاتح عصر ما بعد عام 1492، عصر العبودية والإبادة الجماعية لسكان «العالم الجديد».

شبّهت اللبناني بكولومبوس وكردستان العراق بالأرض العذراء!
أما تعبير «الأرض العذراء»، فهو تعبير لطالما أطلقته القوى الكولونيالية على كل أرض أرادت استعمارها. وهدفه الأول هو تفريغ الأرض من أهلها ولو مجازياً، والإخفاء القسري لسكان البلاد الأصليين لتبرير عملية سلب أرضهم. وإن كان هؤلاء المستعمرون قد أبقوا السكان الأصليين، إلا أنهم استعبدوهم، ولم يقرّوا بإنسانيتهم لأنهم بنظرهم مجرّد كائنات متخلّفة لا حضارة لها.
أوَليست «الرسالة التمدينية أو التحضيرية ـــla mission civilisatrice» أحد المبرارت الأيديولوجية لمنطق الاستعمار؟ إذاً مقولة «الأرض العذراء» تسهم في ترويج مخيّلة استعمارية تُماهي بين المرأة والطبيعة، وتؤنّث الأرض التي تبقى عذراء في انتظار أن «يدخلها» الرجل، فيسبغ عليها بعضاً من الحضارة التي يختزنها (في عضوه الذكوري).
إنّه خطاب مرفوض في سياق الكلام عن أي بلد في العالم، فما بالكم أن يقال ذلك عن العراق. هذه «الأرض العذراء» المفترضة هي سومر وبابل والعصر العباسي.
ذهبت الصحافية الشابة إلى بلاد الرافدين لتنقل لنا حال أهله، في ظل احتلال شاءته روما الجديدة لنشر «الديموقراطية». وهذه الأخيرة ما هي إلا الجيل الجديد لسلفها «الحضارة». هل مقبول من ديب أن تستعمل لغة استخرجتها من مقابر التاريخ من دون أي حس نقدي، مستغفلة دلالاتها الكولونيالية في معرض الحديث عن العراق، وهو اليوم حقل التجارب الأول للاستعمار الجديد؟
ويبقى سبب الاعتراض على هذه اللغة ضرورة تشكيل وعي سياسي وحسّ تاريخي نقديين وضروريين لو أردنا أن نحاول فهم ما يجري في عالمنا.