التراث البصري النوبي هو مصدر الوحي الأول لمعرضه اللندني «إشارات عصرنا». التشكيلي السوداني/ المصري يدخل عالم الأساطير والميثولوجيا من الباب الخلفي، ويخرج برغبات وحشية


حازم سليمان
تبدو لوحة التشكيلي السوداني المولود في القاهرة فتحي حسن (1957) كأنّها تقدم تفسيرات جديدة إلى العالم. عالم لا نعرفه بالتأكيد. الحداثة تأخذ طابعاً رعوياً متدفقاً، في لحظة تجرفك اللوحة بفيضان من الألوان والرموز، وسرعان ما تنحسر لتتقشّف حد الجفاف. إنه المد والجزر، وما تأسس في الذاكرة عن نيل يفيض آخذاً معه كل شيء، وانحسار يترك خلفه مساحات من الخراب. نقمة الماء ورحمته.
ستبدو الصورة محدودة وقاصرة، إن تركنا لذلك الفضاء الأفريقي المضيء في لوحاته أن يحد من رؤيتنا لأعماله. الاختلاط الفريد في مرجعيات فتحي حسن، جعل لوحته أقرب إلى صندوق فرجة تتكوّم فيه حكايا وتفاصيل وتعاويذ وتواريخ يجمعها بإحساس غريزي، وانتصار لرغبات وحشية ونزوية، تبدو أصيلة ومتجذرة في بنية لوحته.
لم ينصهر ذلك النوبي بما عايشه وجربه في مختبرات ومتاحف عالمية عمل فيها. التشبع، والمخزون البصري العميق، جعلا أعماله في الرسم أو مشاريعه الفنية تشبه محاولة للحفاظ على نقاوة العرق. لا يحمل هذا التأويل إشارةً إلى تعصب من نوع ما، بقدر ما هو محاولة توصيف للفضاء النظيف الذي تحلّق فيه اللوحة. يبدو الولاء راسخاً للمعنى والروح فقط، وخاصةً بعد تحريفاته المتنوعة للقدسي، واليقيني في عشرات الرموز التي يستخدمها.
معرضه اللندني «إشارات عصرنا» في ضيافة روز عيسى («متحف لايتون»)، يدعونا هذه المرة إلى رؤية العالم من منظور إشاري خليط. تبدو لوحاته آتية من عصر آخر. إشاراته الكثيرة تحيلنا على عوالم قائمة ومنسيّة. هناك، في مكان ما من ذاكرة فتحي، تخرج الأساطير، على شكل نقوش، وخلطات سحرية. ملائكة سود، رموز زنجية، أحرف عربية، كل ذلك يتداخل في متن لوحة جامحة، وأفكار تلقائية غير مروّضة. في مكامن كثيرة من لوحاته، تتغلب الفطرة على الحرفة، تتسيد التلقائية على المهارة، تصير الفوضى ضرورة لتنقية العمل من الفعل الفني بمعناه التقليدي. اللون لم يعد مخلصاً لمعناه، والكلمة تناقض دلالاتها المألوفة. هنا يصير التأويل إقحاماً لأفكار لا ضرورة لها.

حسّ أفريقي وتزيينات شعبية وفضاء غني بالرموز ومسيح أسود البشرة
يدخل فتحي إلى الميثولوجيا من أبوابها الخلفية. يعيد إنتاجها وفق منظور غير مألوف، لم نعتد مثلاً أن نرى المسيح أسود البشرة، ولا مريم. قد لا تكون هذه الصورة من اختراع فتحي، لكنها جزء من تعقبه لموروث بصري ضخم. حتى علاقته العميقة بالحرف العربي لا تدفعه إلى تقديم توظيفات لغوية. يستفيد فتحي من الشكل، من اللغة بمحتواها الحضاري لا الديني. اللغة قبل الدين بكثير. لذلك، فجداريّاته الحروفية الضخمة تناقض التعريف التقليدي للغة لمصلحة خلق بنية جمالية تسبق المعنى وتتفوق عليه. في لوحته «الحياة» (مواد مختلفة على ورق ـــــ 200 × 150 سنتم)، يبدو ذلك التنوّع في مصادره البصرية. الحس الأفريقي المتمثل في ألوان ترابية وتزيينات شعبية، يندرج في فضاء غني من الرموز، والكلمات العربية. يتجاوز المعنى في هذه اللوحة صورته المباشرة. الجمال يأتي من وعي فتحي بإنتاج لوحة أصيلة وغير مبتسرة. قد يكون النتاج غريباً ومحيراً كما في «السر» (مواد مختلفة على ورق ـــــ 190 × 150 سنتم). الرهان هنا يكمن في السعي إلى خلق بنية شكلية تحفيزية، أكثر من تحميل العمل مقولة محددة. اللعبة بصرية بامتياز.
لا تبدو لوحة فتحي أسيرة شكل تعبيري محدد. ثمة انعطافات مستمرة في بنية اللوحة وشكلها، ممّا يملي تنوعاً مرادفاً في أدوات التعبير، وخاماته مثل اللون، والدهان، والرمل، والكولاج، والتصوير، وغيرها من أدوات التوصيل التي تعطي أعماله صفة المشروع الهادف إلى إنجاز بحث بصري متكامل. منذ 2009، واظب فتحي على سلسلة ضخمة من الأعمال حملت عنوان «حرام عليكم». ثمة رثائية متشعبة تسكن تفاصيل هذه السلسلة. ستبدو اللوحة حالة شغب. التلقائية تبلغ حالة صدامية ومتطرفة. التعبيرية أخذت بعداً شعبياً. في هذه المرحلة المتقدمة من مشروع فتحي، تبدو الأعمال وقد جرى شحنهاً سياسياً واجتماعياً، والرمز بات يحمل معنى مباشراً. ثمة تواريخ محددة لأحداث مفصلية. الحروف صارت ذات معنى واضح (الفقر ـــــ الجوع). نقل فتحي لوحته إلى فضاء سردي مراوغ قادر على خلق تحريضات سريعة ومباشرة. يبدو في أعماله الأخيرة كمن يتحايل على فلسفة الزمن في اللوحة. حساسياته باتت أكثر قرباً من فنون الشوارع والهيب هوب. انتقل استخدامه للشعبي من ظرفه التراثي إلى التأثيرات الإعلانية المباشرة. سالت الألوان على اللوحة، تراجع الفضاء المنمق. كل ذلك يأتي في سياق تجربة مشوّقة لفنان يجيد تعرية المخبوء في الذاكرة.

حتى 12 كانون الأول (ديسمبر) ـــــ «متحف لايتون»، لندن ـــــ للاستعلام:
+44(0)2076023316
www.leightonhouse.co.uk