مَن منا لم يسمع بنكتة تتعلق بالسيارات الصغيرة، ولا سيّما أثناء الأحوال الجوية السيئة، كتلك التي تشير إلى العثور على سيارة "بيكانتو كيا" فوق سطح أحد المنازل بعدما حملتها الرياح إلى هناك؟ ومَن منا لم يقرأ منشورات ساخرة تدعو أصحاب السيارات الصغيرة إلى ربطها جيداً قبل قدوم العاصفة خوفاً من أن تطير في الهواء. هذه السخرية تعكس إلى حدّ ما موقف بعض اللبنانيين، وتحديداً قبل الأزمة الاقتصادية، تجاه السيارات الصغيرة. دارت عجلة الزمن، وتقهقر "البريستيج" أمام غلاء أسعار البنزين، ليشهد سوق السيارات الصغيرة، وتحديداً المستعملة منها، إقبالاً متزايداً.

فوجئ رضا، الراغب بشراء سيارة صغيرة لابنه كي يتمكن من الذهاب إلى جامعته، بأن المبلغ الذي ادّخره لشراء السيارة لم يعد كافياً بعدما ارتفعت الأسعار. بحث عن موديلات قديمة ولم يوفّق، فاضطر إلى شراء دراجة نارية تعين ابنه في تنقلاته. يعترف رضا بأنه كان يمنع أولاده من قيادة الدراجات النارية في ظلّ غياب إجراءات السلامة على الطرقات اللبنانية، لكنه أُجبر على تقبّل الأمر مع غياب الحلول الأخرى.
على عكس رضا، اقتنى وائل سيارة صغيرة قبل سنوات عديدة رغم أنه كان يملك "رانج" بمحرّك 8 سيلندر. بقيت السيارة الصغيرة، التي قسّط ثمنها، هامشية لفترة طويلة إلى أن بدأت أسعار البنزين بالارتفاع. عندها وجد وائل نفسه مضطراً إلى ركن "رانجه" والاعتماد على سيارته الصغيرة في جميع مشاويره القريبة والبعيدة.
"قدي مصروفها هالسيارة؟" هو السؤال الأبرز الذي يوجّه إلى عباس صالح، صاحب معرض للسيارات. يؤكد صالح أن السيارات الاقتصادية المستعملة مثل "بيكانتو كيا وهيونداي آي 10 وشيفروليه سبارك ..." هي أكثر السيارات المطلوبة في السوق راهناً، ما أدى الى ارتفاع أسعارها. فعلى سبيل المثال ارتفع ثمن سيارة البيكانتو موديل 2010 من حوالي 2700 دولار ليتجاوز مبلغ الـ4000 دولار، في حين قارب سعر موديل 2015 حوالي 6000 دولار بعدما كان بحدود 4500 دولار في الفترة التي سبقت ارتفاع أسعار البنزين. وبطبيعة الحال تتفاوت أسعار السيارات ولو كانت ضمن الموديل نفسه وذلك وفقاً إلى نسبة استهلاكها. كثرة الطلب على هذه السيارات يعزوها صالح إلى عوامل عديدة: أولاً، لأنها تُعتبر سيارات اقتصادية ذات مصروف بنزين جيد، فالمعدّل الوسطي لمصروف سيارات 4 سيلندر هو 250 كلم بالتنكة، أما معدّل مصروف سيارات الـ6 سيلندر فيبلغ 150 كلم بالتنكة، في حين يصل معدّل مصروف محركات 8 سيلندر إلى 100 كلم بالتنكة. ثانياً، ساهم فقدان القدرة الشرائية للبنانيين في تعزيز سوق السيارات المستعملة. ثالثاً، أدى توقف القروض المصرفية المخصّصة لشراء السيارات، فضلاً عن توقف بعض شركات السيارات عن اعتماد مبدأ التقسيط بالدفع، إلى تراجع مبيعات السيارات الجديدة.
وعلى النقيض، انخفضت أسعار السيارات ذات المصروف المرتفع من البنزين نتيجة انخفاض الإقبال عليها، فأسعار "الرانج روفر" على سبيل المثال انخفضت حوالي 2500 دولار.
كذلك يلفت صالح إلى أن قطع غيار السيارات باتت تؤدي دوراً مهماً في عملية شراء السيارات، إذ يتردّد كثير من الأشخاص في اقتناء بعض الأنواع نظراً إلى غلاء قطعها، ويذهبون باتجاه السيارات ذات القطع الرخيصة، وخصوصاً أن الطرقات اللبنانية مليئة بالحفر التي تسبّب أعطالاً تستدعي تغييراً في القطع بشكل مستمر. كثرة الطلب لا توازيها كثرة في العرض بحسب صالح الذي يشير إلى أنّ معظم مالكي السيارات الصغيرة يرفضون حالياً بيع سياراتهم، ويفضلون الاحتفاظ بها مستفيدين من مزاياها التوفيرية في هذه الظروف الصعبة. أما من يبيعون سياراتهم فيندرجون ضمن فئتين، الأولى تبيع بداعي السفر، والثانية تدفعها ظروفها المأساوية إلى بيع ممتلكاتها بهدف تأمين لقمة عيشها. وهذا على خلاف ما كان يجري قبل الأزمة، إذ كان يعمد كثيرون إلى بيع سياراتهم بهدف شراء موديلات أحدث وأفخم. وأخيراً يشير صالح إلى أن عدداً كبيراً من مالكي السيارات ذات المصروف المرتفع باتوا يقصدون التجار والمعارض بهدف مقايضة سياراتهم بسيارات اقتصادية صغيرة بهدف التوفير.