قضية تشكيل اللجان الفنية في السرايا الحكومية لحلّ المشكلات، وبينها البيئية، باتت تحتاج الى نقاش. إذا أخذنا، مثلاً، قضية النفايات التي شُكّلت لجنة «فنية» من المستشارين والمعنيين الحكوميين وغير الحكوميين لمقاربتها، يمكن أن نستنتج أن الأمور ستذهب نحو مزيد من التعقيد. هذا الاستنتاج المتشائم، مبنيّ على معطيات عدة، أهمها ما يتعلق بالمهمة التي أوكلت بها هذه اللجنة، وطريقة إدارتها، ومدى معرفة أعضائها بالملف، والوقت الذي أُعطي لها لتحقيق «إنجاز». فقد مُنحت اللجنة التي تضم ممثلين عن وزارات معنية (البيئة، الداخلية، التنمية الإدارية، الصحة والصناعة) ومجلس الإنماء والإعمار ومستشارين لرئيس الحكومة، ثلاثة أسابيع (تنتهي نهاية هذا الأسبوع) لتنجز خطة طارئة جديدة، وأخرى متوسطة وبعيدة المدى! وهي فترة قصيرة جداً لوضع تصور استراتيجي متكامل.

انطلقت أعمال اللجنة، كالعادة، من أزمة داهمة مع انتهاء قدرة استيعاب المطامر ولا سيما في مناطق ذات كثافة سكانية عالية كبيروت وجبل لبنان، وبعد التمديد ثلاثة أشهر لمطمر الجديدة… وانطلاقاً من همّ تفادي عودة النفايات إلى الشوارع. وهو مشهد متكرر، ألفناه مع الحكومات السابقة ولجانها التي لم تكن تتحرك إلا تحت ضغط الأزمات الداهمة. يحصل ذلك كل مرة وينتهي بخيارات أكثر سوءاً، إما لأن الوزارات المعنية لا تقوم بواجباتها، أو لأن الأزمات باتت أكبر من الوزارات والحكومات. إلا أن أحداً لا يسلّم بهذا العجز، بدليل الاستمرار في تشكيل اللجان نفسها، ومنحها مهلاً قصيرة ومحددة لإيجاد الحلول.
بالعودة إلى المهمة التي أوكلت إلى هذه اللجنة، فإن الحلول الآنية معروفة ولا داعي للاجتهاد فيها كثيراً. أما تلك الاستراتيجية، فهي لا تتطلب لجاناً الجديد فيها إدارتها غير المتخصّصة، بينما أعضاؤها هم أنفسهم من «واكبوا» كل الأزمات السابقة، حتى لا نقول إنهم «ساهموا» فيها!
الحلول الآنية الطارئة شبه جاهزة، وقد مهّد لها وزير البيئة دميانوس قطّار بطلب درس قدرات مطمر الناعمة المعروفة. ويبدو أن المعنيين قد يحصلون على الموافقات المطلوبة لإعادة فتحه لاستقبال نفايات الشوف وعاليه فقط (نحو 300 طن يومياً)، إلى جانب إعادة توسيع مطمر الجديدة أو إيجاد موقع آخر في المنطقة المردومة نفسها لاستقبال نفايات المتن، مع إمكانية نقل 200 طن يومياً إلى معمل صيدا الذي لا يزال يشكو من عدم إيجاد مطمر، وإعادة تشغيل معمل غسطا لقسم من نفايات كسروان. هذه الخطوات من شأنها تخفيف الكميات التي تذهب إلى مطمر الجديدة وإطالة عمر مطمر الكوستابرافا... لحين إيجاد الحلول المستدامة، كما في كل مرة!
من جهة أخرى، بيّنت النقاشات في اللجنة أن هناك فجوة مالية باتت كبيرة جداً، انعكست أولاً في كيفية دفع التزامات العقود الحالية من كنس وجمع ومعالجة وطمر، والتي باتت تتجاوز الـ 90 مليون دولار (مع مشكلة التسعير على الليرة)، وعدم القدرة المالية على تأهيل المعامل في الكرنتينا وإنشاء معمل التخمير في الكوستابرافا كما كان مقرراً. هذه الأزمة المالية نفسها دفعت أيضاً الى تعليق الحديث عن المحارق حالياً والبحث في خيارات أقل كلفة، كطرح بعضهم تحويل قسم من النفايات الى وقود بديل لشركات الترابة، باعتبار أن تشغيل أفرانها أقل كلفة من إنشاء محارق، مستفيدين من الشلل الاستراتيجي في إدارة هذا الملف وعدم وجود معايير علمية وفنية وعدم احترامها إذا ما وُجدت. وهو خيار ستتم مواجهته حتماً من قبل أكبر تحالف بيئي في لبنان أعلن سابقاً رفض خيار الحرق، إن في المحارق أو على شكل وقود بديل لشركات الترابة، ما يعني أن إمكانية التقدم وإيجاد حلول «فنية»، لن تكون مقبولة، وخصوصاً أن ذلك لا يأتي من ضمن استراتيجية شاملة تحدد المبادئ والأهداف والأولويات، مع المبرّرات العلمية والاقتصادية الكافية.
لو كنا في وضع سويّ، لكانت وزارة البيئة هي التي تقدم الاقتراحات ومسودة الاستراتيجية للنقاش أولاً. ومن ثم تستمع لآراء الوزارات المعنية وغيرها. صحيح أن هذه المسودة عُرضت بسرعة على الحكومة السابقة، وقد طُلب القيام بتقييم استراتيجي لها، إلا أن الآلية التي اعتُمدت في وزارة البيئة لم تكن موفّقة للوصول الى حلول استراتيجية، ولا سيما أن ما كان يهم الفريق السياسي الذي تسلّم الحقيبة، هو إقرار خارطة طريق تتضمن المحارق مع الإطار القانوني اللازم لتمريرها، باعتبار أن التمويل سيأتي من «سيدر». ولذلك تم إهمال الجانب الاستراتيجي، الذي قُدم في إطار شكلي ضعيف، لكسب الوقت والموافقات السريعة. وإذ تغير الموضوع الآن لناحية التمويل، بعد إعلان لبنان إفلاسه وتوقفه عن دفع الديون، كان يفترض أن تتغير المقاربة كلياً في الملفات كافة، وفي ملف النفايات تحديداً، ولا سيما لناحية، تبني خيارات التخفيف والفرز وإعادة التدوير، الموفرة في الموارد والمال العام معاً. إلا أن كل المؤشرات تقول إن أحداً لن يسير في هذا الاتجاه، على رغم نشاط هذه اللجنة التي تعقد ثلاثة اجتماعات في الأسبوع. والدليل على ذلك أن آخر ما توصلت إليه اللجنة، أمس، في الورقة التي تلخص اقتراحاتها أن الهدف المحدد فيها حسب مسودة الاستراتيجية لناحية التخفيف من إنتاج النفايات، المقدّرة بـ7000 طن يومياً، هو بين 3 و6% فقط بدل أن يكون أكثر من 30%. وهذا يعكس مدى عدم جدية هذه اللجنة، واتكالها على مسودة مترجمة يمكن أن تكون لدولة صناعية وغنية، تتكل على التصنيع وإعادة تصنيع أي شيء وتشغيل يد عاملة...
لن تستطيع هذه اللجنة، أن تنتج شيئاً على المدى البعيد إذاً، ليس لأنها لا ترغب في ذلك، بل لأنها لا تملك الرؤية، حسب النقاشات والأوراق المقدمة. وهي بالتالي لن تخرج إلا باقتراحات لتمديد الحلول الطارئة. وذلك لسبب بسيط، وهو أنها لا تنطلق من رؤية ثورية جديدة، وخصوصاً أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تكون إلا ثورية، قياساً الى المرحلة الطارئة السابقة والممتدة. فكيف يمكن إنتاج حلول ثورية من دون ثوار؟ وخصوصاً أن الأوراق المقدمة لم تخرج بعد من العقد السابقة التي تبحث في التمويل وإيجاد الأرض المقبولة، وتستند الى مسودة استراتيجية فيها نقص في المبادئ (ولا سيما التخفيف)، أو لا تحترمها في الأهداف والتطبيق، وليست فيها أولويات ولا أفضليات تقنية وغير تقنية! فهل تنجح هذه اللجنة في اللحظات الأخيرة في تغيير مسارها، قبل أن تعيد إنتاج الأزمات تقليداً لسابقاتها منذ عام 1997، يوم اقترحت أول خطة طارئة، لا تزال تداعياتها الكارثية ممتدّة حتى يومنا هذا؟!