تنتهي اليوم مهلة التسجيل في الحوار الذي دعت اليه وزارة الطاقة والمياه بالتنسيق مع وزارتَي البيئة والإعلام حول سدّ بسري.

وقد يستفاد من الوقت المتبقّي لانسحاب من تسرّع وقبل بالمشاركة الشكلية في حوار حول أمر أقرّت الحكومة المضي فيه بتسرّع، رغم شبه الإجماع بين المعترضين الحقيقيين على مقاطعة هذه الدعوة. ليس لأنها جاءت متأخرة فقط، ولا لأنها لم تطاول الجوهر فحسب، بل لأنها لا تعبر عن القناعة الحكومية أيضاً. فقد كان مستغرباً، في الأساس، أن توافق هذه الحكومة على متابعة الأعمال في السد بعد تراجع وهج الانتفاضة بسبب «كورونا»، وعدم مراجعتها سياسة المياه برمّتها رغم وقوع لبنان في حالة إفلاس وإعلانه عجزه عن تسديد ديونه… وهو ما يفترض أن يعني، منطقياً، وقف كل أشكال الاستدانة الجديدة لمشاريع مشكوك في مدى إلحاحيتها وصوابيتها وجدواها. أضف إلى ذلك أن تركيب محاور الحوار لا يوحي بالجدية، إذ بقيت هذه المحاور على هامش قضية المياه في لبنان ولم تشمل مناقشة استراتيجية الدولة في إدارة هذا القطاع. فجوهر مشكلة المياه ليس في غياب الدراسات الجيولوجية للموقع كما ورد في أحد المحاور، بل في مدى الحاجة إلى السدود السطحية أولاً. وقد كان على الحكومة، في استراتيجيتها، أن تجيب عن سؤال عمّا إذا كانت هناك حاجة إلى سدود سطحية، قبل النقاش أين ستُقام. وما هي قيمة المحور الثاني الذي يتناول دراسة الأثر البيئي للسد إذا لم تقم الحكومة (عبر وزارة البيئة المختصة) بتقييم بيئي استراتيجي لخطط وزارة الطاقة ذات الصلة؟ إذ أن مشاريع كبرى كهذه تُقيّم بطرق مختلفة تماماً عن أسس دراسات الأثر البيئي للمشاريع الصغيرة، ناهيك عن محور بدعة «التعويض الايكولوجي» الذي تناولناه سابقاً («الأخبار»، 30 أيار 2020).
في المقابل، تجدر الإشارة إلى أن المعارضة المتأخرة لهذا السد، ولمنطق السدود السطحية غير الضرورية في بلد كلبنان تعتبر المياه فيه مورداً متجدّداً، تتحمل أيضاً جزءاً من المسؤولية عمّا وصلنا إليه، سواء تمثلت هذه المعارضة بالأحزاب السياسية أو بجمعيات مصنّفة بيئية. فقد تأخر معظم هذه الجمعيات في مقاربة ملف إدارة المياه وإنشاء السدود حين كان لبنان لا يزال خاضعاً للخطط العشرية لوزارة الطاقة والموارد والطاقة والمياه قبل عام ٢٠١٠ تاريخ وضع الخطط الجديدة... وبعدها. كما تأخرت أحزاب وكتل نيابية مؤثرة وفاعلة في معارضة سد بسري (وباقي السدود). وهي تحاول أن تعوض اليوم أيضاً عن تأخرها في المعارضة بتقديم اقتراح قانون لتحويل مرج بسري إلى محمية طبيعية (باسم اللقاء الديمقراطي).
على المقلب الآخر، وبغضّ النظر عن الموقف الجديد الملتبس للبنك الدولي المموِّل لإنشاء السد ودعوته للحوار مجدداً، فهو أيضاً كان قد استبعد المعارضين الحقيقيين من حواراته الشكلية السابقة، وساهم مع كثير من الشركات الاستشارية وبعض الخبراء في تضخيم الأرقام والحاجات، والتهويل بالشحّ وتغير المناخ وزيادة السكان والطلب المستقبلي على المياه، لتبرير إنشاء السدود المكلفة وخصخصة هذا المورد المهم وتسليعه. وهو لطالما استخدم ذريعة أن اللبناني يدفع ثلاث فواتير، واحدة للمصالح وأخرى للصهاريج وثالثة للمياه المعبّأة، من دون أن يجيب على سؤال أساسي: من أين تأتي المياه المعبّأة ومياه الصهاريج؟، ما يعني أن المشكلة الفعلية هي في سوء الإدارة لا في الشحّ.
لن يكون رفض الحوار قاعدة عند المعترضين، لا بل هو واجب في ما لو كانت الظروف طبيعية. ولطالما رفضت وزارة الطاقة والمياه الحوار مع المعترضين على سياسات السدود منذ مدة طويلة، وقبل أن تكبر حلقة الاعتراضات. لا بل كانت ترفض تسليم أي دراسة أو مستند، ضاربة بعرض الحائط مبدأ حق المعرفة قبل أن يصبح قانوناً. وإذ يمكن غضّ النظر عن الدور الشكلي لوزيرة الإعلام في الحوار، إلا أن المستغرب هو تصرف وزارة البيئة التي دخلت أيضاً في الشكليات، بينما كان عليها أن تطلب وقف الأعمال إلى حين إجراء تقييم استراتيجي شامل لخطط الحكومة المائية التي تفتقر إلى أدنى المقوّمات الاستراتيجية.
في العادة تدعو وزارة الطاقة والمياه والبنك الدولي بعض المجتمع المدني الطيّع و«الخبراء» أصحاب المصلحة والإعلام غير المتخصّص للقول إنهما قاما بالمشاورات اللازمة، بما يؤمّن التغطية اللازمة لإكمال المشاريع مع تعديلات طفيفة التي لا تؤثر في بنية المشاريع وربحيتها. والسؤال الآن: من سيؤمّن هذه التغطية ولا سيما بعد اندلاع الثورة وانهيار كل شيء؟!
تاريخياً، لم يكن هناك من انسجام بين وزارتَي الطاقة والمياه والبيئة حول خطط السدود ولا حول معالجة مياه الصرف والنفايات السائلة، وقد استبعدت وزارة البيئة هذا النوع من النفايات (في خططها) لكي لا تتضارب مع صلاحيات الطاقة والمياه. كما تفادت إزعاج المتحمّسين للسدود بدراسات الأثر البيئي! لذا كان حرياً بهما أن يتفاهما مع بعضهما قبل أن يبادرا إلى الدعوة للحوار، وأن ينسقا السياسات قبل تنسيق ندوات شكلية حول أهم مورد بعد الهواء على المستوى الحياتي والوطني؟
لا أحد يستطيع تجميل بشاعة السدود، ومحكمة التاريخ لن تتسامح مع قطّاع طرق المياه كما تتسامح محاكم هذه الأيام مع مشاريع مدمّرة ومشوّهة (كالمقالع) وغيرها من الاعتداءات على الطبيعة والأماكن الأثرية والتراثية كمرج بسري أو صخور نهر الكلب.