أصاب سهم الدولار مزارعي التبغ مرتين حتى الآن. فمن جهة، أدّى ارتفاع أسعار المواد الأساسية للزراعة إلى تلاشي غلّة الموسم، تلقائياً، بعدما ذهب أكثر من نصف قيمة المحصول «فرق عملة». ومن جهة أخرى، أدّت سياسات المصارف التقييدية إلى تقسيط مستحقات المزارعين المودعة لديها من إدارة «الريجي» عن العام الماضي، بـ«القطارة»، ناهيك بوقف المصارف هذا العام منح هؤلاء الفلاحين «امتياز» ما يُسمّى بـ«رهن الرخصة». فعلى مدى سنوات، اعتاد المزارعون، لتأمين متطلبات الموسم الذي يزرعونه، على رهن الرخص التي يحملونها مقابل بضعة ملايين من الليرات هي من «عبّ» المزارع أساساً، وبفائدة تصل إلى 13%. وعلى سوء هذا الإجراء واستغلاله لفقر هؤلاء، إلا أن وقفه يضع مزارعي التبغ، شمالاً وجنوباً وبقاعاً، أمام معضلة تأمين كلفة الإنتاج للموسم الجديد، ولا يبقي أمامهم للاستمرار على قيد الإنتاج سوى الوقوع في «مصيدة الدَّين».

أما الإصابة الثالثة، والقاتلة، التي يخشاها المزارعون فهي تلك المتوقّعة في حال لم يُصر هذا العام إلى تحسين الأسعار، بما يعوّض الفجوة التي أحدثها هبوط قيمة الليرة، ويسدُّ عوز أكثر من 24 ألف أسرة تعتاش من هذا القطاع، في ظل غياب تام لأبسط الضمانات المساعدة في التعليم والصحة والطبابة.
رئيس «تجمُّع مزارعي التبغ» خليل ذيب أوضح لـ«الأخبار» أنَّ ارتفاع سعر صرف الدولار زاد بنحو مضاعف الكلفة الأساسية لزراعة التبغ، من تأهيل للتُّربة بالأسمدة والمبيدات والحراثة والسقاية إلى جانب المعقّمات، ناهيك بأن المزارعين، شأنهم شأن بقية المستهلكين، يعانون من ارتفاع أسعار السلع ما أوقعهم في ديون مرهقة. وفي حال تسليم المحصول هذا العام وفق تسعيرة المواسم الماضية، «فإن ذلك معناه عجز تام عن تغطية أكلاف الزراعة ومعها أكلاف العيش، وخصوصاً بعدما أدت الأزمة الاقتصادية وأزمة كورونا إلى توقف أعمال حرة كانت تساعد على الاستمرار في زراعة لا تطعم خبزاً وحدها». فيما يلفت نقيب مزارعي التبغ حسن فقيه إلى أن أسعار التبغ لم تتغيَّر منذ سنوات إلا بشكل طفيف. ويشدّد على أنه في ظل الأوضاع الحالية فإن «سعر كيلو التبغ لا ينبغي أن يقلّ عن 25 ألف ليرة كحدّ أدنى (السعر الحالي هو حوالى 13 ألف ليرة)»، وإلا فإن «هذه الزراعة التاريخية معرّضة للاندثار، علماً أنها تشكل المورد الرئيسي لآلاف الأسَر وتدرّ على خزينة الدولة سنوياً مئات ملايين الدولارات».
ورغم أن المفترض، في هذه «الصناعة» أن تكون العلاقة تكاملية بين البذرة مروراً بالشتلة وصولاً إلى السيجارة، فإنها لا تبدو كذلك في ما يتعلق بالأسعار، إذ أن الزيادات التي فرضتها «إدارة حصر التبغ والتنباك»، مع تغير سعر صرف الدولار)، على أسعار منتجاتها «الوطنية»، لم تنسحب على أسعار المحاصيل التي لا تزال تتسلّمها من المزارعين وفق الأسعار «القديمة».
مدير الريجي ناصيف سقلاوي وصف موضوع تعديل الأسعار بـ«الحساس»، وهو من صلاحية وزارة المال، مشيراً إلى أن الإدارة سترفع كتاباً في هذا الشأن إلى وزير المال غازي وزني قبل شهرين من موعد تسليم الموسم الحالي، بين تشرين الأول وتشرين الثاني المقبلين. إلا أن هذا الموعد المتأخر لا يعكس قناعة بإمكانية تحقيق أي تعديل في الأسعار. وتؤكد ذلك على أي حال إشارة مدير الزراعة والمشترى في الريجي، جعفر الحسيني، إلى أنّ شيئاً على هذا الصعيد لم يتبلور بعد على المستوى الإداري داخل الريجي، واضعاً كرة التسعير أيضاً في ملعب وزارة المال باعتبارها سلطة الوصاية!
في المحصلة، يدَّعي الجميع في لبنان وصلاً بشتلة التبغ، لكن الوصال مشروط فقط بلملمة بقايا المزارعين، وإنقاذ آلاف الدونمات من شبح «البور» في حال تم تشييع شتلة التبلغ «البعلية» إلى مثواها الأخير... إلا إذا أصلح «الريجي»، ومن خلفه الجهات المسؤولة، ما أفسدَه الدولار!