بدأ التداول بمفهوم «التعويض الإيكولوجي»، في معرض التبرير لإنشاء سدود سطحية للمياه أو الاستمرار في مشاريع ثبت ضررها وفشلها كسدّ بسري. وليس معروفاً من اخترع هذا المفهوم غير الإيكولوجي على الإطلاق، إذ أنه لا يستند إلى أيّ مرجعيّة علميّة في علوم الحياة وعلوم الطبيعة أو البيولوجيا! فنقل أشجار من مكان إلى آخر لا يعدّ تعويضاً إيكولوجياً، وزرع أشجار في مكان جديد بدل تلك التي تُقطع لإنشاء سد أو مشاريع بناء ليس تعويضاً أيضاً. وذلك ببساطة، لأن الشجر، وإن كان ظاهراً أكثر من غيره من الكائنات، لا يختصر الطبيعة ولا المحيط الإيكولوجي. فمشاريع السدود لا تقضي فقط على الأشجار المعمّرة، وإنما على كلّ الأنواع في المكان (من نباتات وحشرات وموائل لكائنات عدة) والتي لا يُمكن أن تعوّض. وتحويل وديان أو مجاري أنهر من جافة صيفاً إلى منطقة دائمة الرطوبة يترك آثاراً لا يمكن التكهّن بمدى فداحتها. ولا نظنّ أن أيّ عالم من علماء الطبيعة يمكن أن يحدّد الآثار المحتملة لمشاريع كهذه أو يجرؤ على توقيع تقارير تتضمّن تعابير مثل «التعويض الإيكولوجي»! فمن هي الشركات الاستشارية التي تجرؤ على ارتكاب مثل هذا الفساد العلميّ المفضوح؟ ومن هو «الخبير» - المقاول الذي تتمّ الاستعانة به غبّ الطلب للقيام بهذه المهام التبريرية لاستثمارات خطيرة؟

لا تقتصر النظم الإيكولوجية على الشجر مهما بلغ عددها أو عمرها أو حجمها. فالأشجار جزء من نظام متكامل فيه آلاف الأنواع الحية مما نعرف أو لا نعرف. وهي تعيش وتتعايش مع بعضها ومن بعضها في نظام طبيعي معقّد لم يستطع العلم فكّ إلا القليل جداً من مظاهره. كما أنّ في الطبيعة لغة سرية لم يستطع «رجال الباطون» فك أيّ من أحرفها الأولى بعد. وضرب هذا النظام بنار الحرائق المتكرّرة أو بتغيّر المناخ أو بمياه السدود الضخمة أو بالبناء والإنشاءات على أنواعها… أمر لا يمكن تعويضه، خصوصاً أن المبرّرات للقيام بكلّ ذلك غير صحيحة ولا ملحّة كما يُزعم. فمشكلة المياه في لبنان هي في سوء إدارتها وتوزيعها وحماية مصادرها، لا في ندرتها. لا بل يمكن اتّهام وزارة الطاقة والمياه بأنها تصرّفت مع هذا المورد الثمين والاستراتيجي بعقل المستثمر الجشع لا بعقل الدولة الحاضنة والراعية والحامية والعادلة. كما يمكن اتّهام وزارة البيئة بأنها لم تعرف يوماً كيف تقارب المشاريع الكبرى (للدولة ولكبار المستثمرين) التي يمكن أن تتسبّب بكوارث إيكولوجية. وهي مشاريع ما كان يجب أن تخضع لدراسات سخيفة ومكرّرة تسمى «دراسة الأثر البيئي»، وإنما إلى أن تقيّم كل خطط إدارة المياه استناداً إلى دراسة استراتيجية التنمية المستدامة الشاملة التي تجمع بين كلّ القطاعات وتربط بينها، ضمن نظام يقوم على مبادئ بيئية استراتيجية يفترض احترامها في سياسات الطاقة والمياه والنقل والاستخراج (المقالع والرمل والنفط والغاز) والزراعة والصناعة والتربية والسياحة... إلخ. ومثل هذه الاستراتيجية لم تحظَ يوماً - وعن عمد - بالاهتمام الذي تستحق من أجل تمرير مشاريع ما يسمى «التنمية» التي التزمها أهل الحكم وصحبهم تاريخياً والتي خربت البيئة اللبنانية إلى غير رجعة، من دون أن تساهم في أيّ تنمية حقيقية.
ليس في قوانين البيئة أي كلمة عن «التعويض البيئي»، لا في المبادئ ولا في العقوبات. وبين المبادئ التي أخذت جدلاً واسعاً منذ بداية التسعينات، والتي أقرّت في قانون البيئة 444 عام 2002، مبدأ الاحتراس والعمل الوقائي الكفيل بحماية البيئة قبل وقوع المخالفات والاعتداءات، وعند الشك بحصول ضرر عبر تجنّبه وليس بتعويضه بعد أن يحصل. أما تطبيق مبدأ «الملوث يدفع» فلا يُترجم بما يسمى «التعويض البيئي»، خصوصاً في المشاريع التي تهدّد التنوّع البيولوجي في منطقة جغرافية معيّنة أو نظام إيكولوجي معيّن، لأن أي مشروع يمكن أن يهدّد واحداً من الأنواع بالانقراض، يعدّ خسارة لا تعوض.
كذلك، فإنّ مرسوم التقييم البيئي الاستراتيجي (الرقم 8213 عام 2012) يُخضع المشاريع العامة لتقييم إلزامي مسبق ويحدّد الأصول الواجب اتّباعها لتقييم الآثار البيئية المحتملة لأيّ اقتراح مشروع بهدف التأكّد من ملاءمته لشروط الصحة والسلامة العامة وحماية البيئة والموارد واستدامتها.
انطلاقاً من ذلك، يصحّ طرح السؤال الآتي: إلى ماذا استند وزير البيئة دميانوس قطّار في طلبه في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي أقر فيها طلب إعادة العمل بسد بسري، تشكيل لجنة لمراجعة الأعمال؟ فالتقييم الاستراتيجي يجب أن يحصل قبل البدء بالمشروع. أمّا دفع الاستملاكات لهذا المشروع المدمر فلا تُعتبر حجة لاستكماله بأيّ ثمن، إذ أن هذه الأراضي والسهول الزراعية والتراثية يمكن الاستفادة منها بشكل يحافظ على ديمومة مواردها وعلى تنوعها الغني، فيما في الإمكان تأمين المياه لبيروت وغيرها عبر سياسات واستراتيجيات مختلفة.
الخسائر المادية التي يدفعها كل لبناني اليوم بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة يمكن أن تعوّض يوماً ما. أما الخسائر البيئية التي يمكن أن تحصل، ومنها انقراض أنواع في الطبيعة، فلن تعوّض أبداً، وبينها أنواع مهمّة لديمومة نظامنا الإيكولوجي المتوازن والمتكامل.