مرّة جديدة، تعود أزمة النفايات إلى النقطة الصفر، ويُعاد الشريط نفسه: تمتلئ المطامر، تهديد بعودة النفايات إلى الشوارع، وابتداع خطط طوارئ جديدة عشوائية ومكلفة جداً للبيئة والخزينة والصحة العامة. وفي كل مرة، نعود إلى المقاربات الخاطئة نفسها: حصر المشكلة بعدم وجود أماكن لـ«المعالجة»، الكلفة، ومن يدفعها... هكذا كأنّ شيئاً لم يتغير، وكأن كوارث لم تقع! وهذا ما يفسر قرار الحكومة أول من أمس برفع مستوى مطمر الجديدة، وتمديد خطط الطوارئ لعام 2016، ووعد جديد بدفع «حوافز» إلى البلديات (ورشى لمن وراءها من أحزاب) التي قبلت بهذه الخطط!

لكن، لماذا انتظر الجميع إلى اليوم لطرح المشكلة طالما أن القدرة الاستيعابية لمطمر الجديدة كان يفترض أن تنتهي في آذار 2019؟ ولماذا «مُدِّد» للمطمر، سراً، لأكثر من سنة، قبل «تفجيره» في وجه الحكومة الجديدة؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير عناء: المطلوب تأزّم يقود تحت الضغط إلى القبول بتمديد الحلول الطارئة نفسها.
كان يفترض بالحكومة السابقة أن تعد خلال أربع سنوات، موعد انتهاء مفاعيل الخطة الطارئة، خطة بديلة أكثر استدامة وعدلاً وتستند إلى استراتيجية وطنية شاملة لم تستطع إنجازها، مستعيضة عنها بما سمّته «خارطة طريق» تضمّنت مطامر كثيرة غبّ الطلب، ورهانات على تمويل من «سيدر» لإنشاء محارق بكلفة وخطورة عاليتين! ولم تأخذ في الاعتبار الأفكار التي تدعو إلى وضع الاستراتيجية قبل الخطط. وهذا ما دفع إلى تعثر الحلول والعودة إلى الخطط الطارئة مجدّداً، ومن دون أي محاسبة جدية، وخصوصاً أن كلفة هذه الخطط كبيرة جداً على كل المستويات.
وإضافة إلى قرار رفع مستوى المطمر متراً ونصف متر إضافياً، كلّفت الحكومة، أول من أمس، مجلس الإنماء والإعمار التفاوض مع النائب نعمة افرام لإعادة تشغيل معمله في غسطا لاستيعاب بين 150 و200 طن من نفايات كسروان، بعد أن عجزت البلديات عن دفع نحو 60 دولاراً للطن لهذا المعمل، من دون أن يتضح على أي أساس سيتم التفاوض وبأية أسعار ومن سينقل النفايات... الخ. هذا القرار، إلى جانب دفع «الحوافز المالية» للبلديات التي تقام في نطاقها المعامل والمطامر، لدفعها إلى القبول بتمديد خطط الطوارئ، دليل على استمرار النهج ذاته في تقديم الرشى إلى البلديات التي تقبل بهذه المشاريع المافياوية المكلفة بكل المعايير والمستويات… من دون أي عملية محاسبة أو تقييم لهذه الخطط وأكلافها.
وهذا المنحى في إرشاء البلديات والقوى السياسية لتمرير خطط الطوارئ، بدأ مع إعطاء حوافز سنوية للبلديات المحيطة بمطمر الناعمة (عبيه - عين درافيل) بقيمة خمسة ملايين دولار، وثمانية ملايين دولار للبلديات التي تقع في نطاقها معامل الفرز والمعالجة والمطامر (أي معامل الكرنتينا والعمروسية والكورال ومطمرا برج حمود والكوستابرافا). ولإكمال البازار السياسي والمناطقي، خُصصت خمسون مليون دولار لمشاريع إنشائية في البلدات المحيطة بكل من مطمر قضاءَي عاليه والشوف ومطمر مصب الغدير، ومبلغ 25 مليون دولار لمشاريع إنمائية في نطاق بلدية برج حمود و25 مليوناً أخرى لمشروع طريق مدخل المتن الشمالي لحل أزمة السير. أكثر من ذلك، فقد وافق مجلس الوزراء (17/3/2016) على طلب بلديتي برج حمود والجديدة - البوشرية - السد باستثمار جزء محدّد من الأراضي التي ستنتج عن ردم النفايات في نطاقها، على أن تتم الموافقة على إنشاء محطة تكرير للمياه المبتذلة في المنطقة المردومة نفسها (وهذا ما لم يحصل بعد!). كما وافقت الحكومة على طلب بلدية الشويفات باستثمار جزء من الأرض التي ستُردم بالنفايات في نطاقها، على أن تقبل بإنشاء محطة تكرير هناك أيضاً ومعمل لمعالجة النفايات. كل ذلك من دون احتساب كلفة الدراسات الاستشارية لخطط الطوارئ وأكلاف الردم وتلزيمات الكنس والجمع وتشغيل المعامل للفرز والتسبيخ والطمر التي تُقدر بمئات ملايين الدولارات سنوياً ويشوبها الكثير من التجاوزات في طرق المعالجة والتلاعب بالأوزان… فهل دفع الشعب اللبناني كل هذه الأموال لنعود إلى النقطة الصفر؟ ومن دون أي عمليات تقييم لتلك الخطط وأكلافها، ولا مساءلة حقيقية حول التخطيط والتنفيذ والإشراف، ولماذا انتهت قدرة المطامر الاستيعابية قبل أوانها وتمّت مضاعفة الكلفة بالتوسيع والتمديد، بشكل شبه عشوائي؟!
تكمن أزمة النفايات في لبنان تلك العقلية الاستثمارية (وليس البيئية) للإدارة التي طالما حصرت المشكلة وحلها في شقين رئيسين: ضرورة إيجاد مواقع للمعالجة وتمويل هذه المعالجة. وابتدعت، في سبيل ذلك، أن تحوّل المواقع إلى جزء لا يتجزأ من الاستثمارات المربحة، ولو على حساب الأملاك العامة... وهكذا يتم التمهيد لحلول تنفيعية للمتعهدين والاستشاريين إن لناحية ردم البحر والاستفادة من مساحات إضافية من الأراضي أو لناحية توسيع شكلي لمعامل الفرز والتخمير تنتهي جميعها بالاستثمار في مطامر عشوائية وبكلفة عالية جداً… بعد التلاعب في المعالجة والأوزان مع أسوأ طرق الجمع والنقل. هذا المنطق المشبوه في المقاربة يضع الناس دائماً أمام حدين: إما توسيع المطامر التي تصبح الحل الوحيد، أو الضغط للقبول بالمحارق المكلفة بحجة عدم وجود مواقع جديدة للمطامر ولا سيما في محافظتي بيروت وجبل لبنان اللتين تضمان أكبر كثافة سكانية وأكبر حجم من النفايات، ما يبرر مركزية الحلول وتكبير حجم الاستثمارات والأرباح فيها.
ولطالما أُفشلت المقترحات التي كانت تتحدث عن ضرورة وضع استراتيجية تترجم في قوانين وخطط وليس العكس كما يحصل دائماً… وهذا ما يفسر وصول الأمور دائماً إلى الحائط المسدود والعودة إلى خطط الطوارئ. صحيح أن هناك من حاول كسر هذا المسار البالغ السوء، إنما معظم محاربيه من مستثمرين صغار وجمعيات كانت تستفيد من كرتون النفايات لبيعها وإعادة تصنيعها، رأت أن محاربة هذه المركزية المافياوية في المعالجة، لا تكون إلا عبر أفكار لا مركزية، تجعل الكل يستفيد من الاستثمار في هذه الأزمة الكارثة!
صحيح أن قانون النفايات (10/10/2018 رقم 80) نصّ (في مادته التاسعة) على وجوب اعتماد اللامركزية في معالجة النفايات كأحد أهم الحلول كما تم الترويج له، إلا أن اللامركزية كانت قائمة عملياً وجُرّبت في أكثر من منطقة، ومع أكثر من بلدية واتحاد بلديات عبر تمويل من الاتحاد الأوروبي وبمشاريع تديرها وزارة التنمية الإدارية... وهي كانت في المجمل شبه فاشلة، لأنها لم تندرج من ضمن تصور استراتيجي متكامل يحدد فيها المبادئ والأهداف وطرق المعالجة ويتم فيها تحديد وتقسيم المسؤوليات مع المحفّزات والعقوبات. وهذا ما يؤكد مجدّداً أن المشكلة لا تتعلق بالموارد المالية للبلديات واتحادات البلديات، بل في غياب مفهوم الدولة المركزية القوية باستراتيجياتها العادلة والشاملة، وفقاً للقاعدة التي تقول: اللامركزية تنجح تماماً مع دولة مركزية قوية، وهي تتحول إلى فوضى في ظل غياب الدولة، أو في ظل سوء إدارة القطاع العام.