خلق انتشار فيروس «كورونا» في معظم دول العالم، تحدياً مركباً للحكومات التي تحاول تَدارُكَ آثاره المباشرة، ولا سيما الصحيّة منها، بقدر ما تتهيّب انعكاساته على المدى الطويل. لا يمكن تقدير الأضرار الاقتصادية والاجتماعية (... إلخ) التي قد يخلّفها «كورونا» في زمن «ما بعد اللقاح»؛ ولكن الدول انهمكت ــ سلفاً ــ في ورشات «إنقاذية» لترميم فجوات البطالة ونُظم الرعاية الصحية وانقطاع سلاسل التوريد التجارية، فيما سعر النفط الخام في قاع سحيق، حتى الآن.

الإجراءات الاحترازية التي اتخذت على المستويات المحلية والدولية، كان لها بالغ التأثير على قوة العمل التي بات أفرادها مهدّدين في صحّتهم وأمنهم المالي. وانضمّ ملايين العمال والموظفين الرسميين، مع ملايين أخرى من العمال غير الرسميين، إلى جيش (مليونيّ أيضاً) من العاطلين من العمل. ماذا يعني ذلك بالأرقام؟ وفق تقديرات أوليّة لـ«منظمة العمل الدولية» قد يصبح نحو 25 مليون شخص عاطلين من العمل، مع خسارة بنحو 3.4 تريليونات دولار أميركي من دخل العمّال. هذا قبل أن تقول المنظمة نفسها في تقرير لاحق، إن هذه الأرقام «قد تكون قلّلت من حجم التأثير» المتوقع.
شلل الأعمال وخسارة الشركات وتوقف دورة الاقتصاد، أجبرت الدول على التدخّل المباشر وتقديم الإعانات بطرق متعددة، بهدف تقليل فاتورة الخسائر اللاحقة. هذا التدخّل لم يكن خياراً بل هو مسار إجباري. يقول مدير «منظمة العمل الدولية» غاي رايدر، إن «السياسات المالية والنقدية التوسعية غير المسبوقة، ضرورية لمنع الانكماش الاقتصادي الحالي من التحوّل إلى كساد طويل الأمد (...) يجب أن نتأكد من أن لدى الناس في جيوبهم ما يكفي من المال للوصول إلى نهاية الأسبوع، والأسبوع الذي يليه».

حزم دعم مكثّفة
كانت الصين أوّل من بدأ إطلاق حُزم التدخل (الحماية الاجتماعية) لمجابهة آثار انتشار «كورونا»، وذلك في 21 شباط الماضي. واستهدفت الإجراءات ــ في البدء ــ ضمان حصول أكبر شريحة ممكنة من المواطنين على الرعاية الصحية، ولم تكن تركّز على الجانب الاقتصادي ــ الاجتماعي. أبرز البلدان التي وجّهت موارد مالية إضافية إلى القطاع الصحي، كانت أوستراليا والصين واليابان وكوريا ونيوزيلندا والفيليبين وسنغافورة وفيتنام.
قفز عدد البلدان والأقاليم التي أعلنت عن مبادرات تدخّل طارئة، بسرعة، من ثلاثة في شباط إلى 43 في آذار (الأرقام وفق منظمة العمل الدولية حتى 26 آذار)، بما في ذلك 63 إجراءً أعلنتها 34 دولة بين 16 و22 آذار الماضي.

«شيكات ترامب»
كالعادة، تصدّرت الولايات المتحدة عناوين الأخبار، لإعلانها حزمة تحفيز وصلت إلى تريليوني دولار؛ ويفترض أن تتضمن هذه الحزمة إرسال شيكات إلى الأفراد والأسر، بناءً على دخلهم؛ كما ستتلقى الشركات الصغيرة قروضاً ومنحاً، وسيتم تعزيز أنظمة الرعاية الصحية والإغاثة من الكوارث. بعد إقرارها في مجلس الشيوخ (25 آذار)، قال وزير الخزانة ستيفن منوتشين إن الأميركيين سيبدؤون تسلم الأموال في غضون ثلاثة أسابيع، وذلك لمن سجّلوا المعلومات المطلوبة في إقراراتهم الضريبية؛ في حين يتطلب الأمر تسجيلاً عبر بوابة إلكترونية، لتحميل المعلومات، لمن لم يصرّحوا عن مداخيلهم خلال العامين الماضيين، وهو ما يعني وقتاً أطول في انتظار الأموال.
وإلى جانب ذلك، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ترامب اشترط وضع توقيعه الشخصي على جميع الشيكات التي ستصل إلى الأميركيين. وستكون الدفعات متاحة للأفراد الذين حققوا دخلاً أقل من 75 ألف دولار سنوياً، وللأسر التي لا يتخطى مجموع دخل أفرادها 150 ألف دولار سنوياً. ولن يكون هناك مساعدات للذين لا يملكون أرقام ضمان اجتماعي أو لغير المقيمين رسمياً.

يعمل نحو ملياري شخص في الاقتصاد غير الرسمي، وهم غير مؤهلين للحصول على الإعانات الحكومية


وتوازياً مع إقرار حزمة التحفيز، تقدم أكثر من 10 ملايين شخص بطلب للحصول على إعانات البطالة في الأسبوعين الأخيرين من شهر آذار، بعد طردهم من أعمالهم. ويتوقع بعض الاقتصاديين أن يصل العدد إلى حدود 20 مليون وظيفة (أو أكثر).
الحزمة ليست في غالبها لدعم الأفراد، بل تتضمن قروضاً بقيمة 500 مليار دولار للشركات المتعثّرة، بشروط قاسية تمنعها من القيام بإعادة شراء الأسهم أو دفع أرباح الأسهم حتى عام واحد بعد سداد قروضها، إلى جانب خصم جزء من تعويضات مديريها التنفيذيين. وستذهب 367 مليار دولار إلى الشركات الصغيرة (أقل من 500 موظف)، إلى جانب وعود بالإعفاء من بعض التكاليف، مثل فوائد الرهن العقاري والإيجار، إذا تم استيفاء متطلبات معيّنة. وستحصل حكومات الولايات والحكومات المحلية على قروض تصل قيمتها إلى 150 مليار دولار، فيما خصّص 50 ملياراً لشركات نقل الركاب الجوية التي تضرّرت على نحو واسع.

أوروبا تخشى ارتفاع البطالة
على الجانب الآخر من الأطلسي، تنفق الحكومات الأوروبية المليارات على دعم الأجور، في محاولة يائسة لتخفيف آثار الهزّة الاقتصادية. فارتفاع معدل البطالة يمثّل تهديداً ثلاثي الأقطاب لبلدان القارة، فهو يعني انخفاض إنفاق المستهلكين، وشحّ الإيرادات الضريبية، وارتفاع تكاليف الرعاية الاجتماعية.
المقاربة الأوروبية لهذه المشكلة هي، بشكل مختصر، تعويض الشركات المتضررة لإبقاء الموظفين على جداول الرواتب ليعاودوا العمل ــ بشكل طبيعي ــ حين انتهاء الأزمة الحالية.
■ في فرنسا، خصّصت الحكومة 45 مليار يورو لمساعدة الشركات على تجاوز أزمتها؛ وأتيح للشركات التي اضطرت إلى الإقفال أو تقليص نشاطها، التقدم بطلب للحصول على تمويل حكومي بنسبة 70% من إجمالي راتب الموظف، وبحد أقصى يقارب 7 آلاف يورو شهرياً؛ ووفق أرقام أوردتها وسائل إعلام فرنسية، تمت تغطية أجور 730 ألف عامل حتى 24 آذار الماضي، وفق هذا الإجراء. كذلك، منحت الحكومة إجازة مدفوعة الأجر للموظفين الذين لا يمكنهم العمل من المنزل، وهم مسؤولون عن أطفال بعمر أقل من 16 عاماً. وتم تمديد الحظر الشتوي السنوي على طرد المستأجرين من العقارات السكنية حتى 31 أيار.
■ إلى جانب التزام برلين بإنقاذ الشركات «الاستراتيجية» للاقتصاد الألماني، وسّعت الحكومة دعمها للشركات التي خفّضت ساعات العمل، فباتت تدفع وفق قانون إعانات البطالة، أي إنها تغطي حتى 67% من صافي أجور الموظفين الذين تضررت أعمالهم، بحد أقصى 6700 يورو شهرياً. كذلك، ستتم حماية المستأجرين غير القادرين على دفع إيجارهم، من إجراءات الإخلاء حتى 30 أيلول المقبل، على الرغم من أن الإيجار سيكون مستحقاً عندما يتحسّن الوضع الاقتصادي.
■ ستعوّض حكومة بريطانيا الشركات بنسبة 80% من إجمالي المرتبات بحد أقصى 2500 جنيه إسترليني (2714 يورو) شهرياً. واللافت في الإجراء أنه قد يكون بأثر رجعي، أي إنه يغطي منذ أول آذار الماضي؛ كما أن الحكومة لم تضع حداً أعلى للتمويل المقدم.
■ أقرت الحكومة الإيرلندية إعانات جديدة للأجور، بما يتيح للشركات المتضررة استرداد ما يصل إلى 70 في المئة من قيمة الرواتب، للحفاظ على مستويات التوظيف الحالية، بحد أقصى يصل إلى حدود 1770 يورو في الشهر. وتم اتخاذ ترتيبات خاصة بقطاع رعاية الأطفال، إذ ستدفع الحكومة جميع أجور عمال الحضانة، وستسهم في تكاليف التشغيل الأخرى؛ والهدف هو إعفاء الوالدين من دفع الرسوم.
■ إيطاليا التي دفعت ضريبة بشرية كبيرة، التزمت بدفع ما يصل إلى 80% من راتب الموظف لمدة تسعة أسابيع بحد أقصى 1130 يورو شهرياً. كما حصل الأشخاص الذين يعملون لحسابهم الخاص على إعانة لمرة واحدة بقيمة 600 يورو.
■ في إسبانيا أيضاً، سيدفع ما يصل إلى 70% من الرواتب بحد أقصى 1412 يورو شهرياً، لكل موظف. كذلك أمرت الحكومة شركات الخدمات بتوفير ما تقدّم لجميع الأسر «الضعيفة»، حتى لو كانت غير قادرة على تسديد فواتيرها.



كلفة التدخلات
وفق آخر تقرير لـ«منظمة العمل الدولية» (صدر في 27 آذار) فإن 238 برنامج دعم فعال حول العالم بات ضمن خطط الاستجابة لوباء «كوفيد 19». اللافت أن العديد منها يتضمن شكلاً من أشكال التحويلات النقدية المباشرة من الحكومات إلى المواطنين، وهو نهجٌ بعيد عن السائد؛ وذلك جرى في بلدان مثل الإكوادور وبيرو وإيران والأردن وإيطاليا، رغم الكلفة الكبيرة التي تحمّلها تلك البرامج للحكومات. ولجأت دول أخرى إلى برامج لدعم قطاع الخدمات الأساسية؛ ففي البحرين مثلاً، أعلنت الحكومة أنها ستدفع فواتير الكهرباء والماء للأفراد والشركات، لمدة ثلاثة أشهر بدءاً من نيسان الحالي.
ووفق بيانات «منظمة العمل الدولية»، فإن البلدان ذات الدخل المنخفض تعاني من نقص الموارد اللازمة للتدخل؛ إذ يتركز نحو 33% من برنامج المساعدات الاجتماعية في البلدان المرتفعة الدخل، فيما يتوزع معظم الباقي على الدول المتوسطة الدخل، مع نسبة ضئيلة في البلدان الشحيحة الموارد.

عمّال منسيّون
إلى جانب العمال والموظفين المدعومين حكومياً، يعمل نحو ملياري شخص (نحو 61% من سكان العالم العاملين) في الاقتصاد غير الرسمي. هؤلاء لا يملكون سوى القليل (أو لا شيء) من الأمان المادي، لحماية أنفسهم من الأزمات التي تشابه ظروف اليوم، إذا لم يتمكنوا من الذهاب إلى عملهم. وهم عادة لا يحصلون على تأمين صحي أو تعويض عن المرض أو الإصابة، كما أنهم غير مؤهلين للحصول على الإعانات الحكومية التي تُمنح للعمال الرسميين المتضررين من «كورونا» اليوم. ويمكن تخيّل أثر ذلك في أفريقيا مثلاً، حيث 86% من العمالة غير رسمية، وفقاً لـ«منظمة العمل الدولية».