من تؤرقه تمضية الوقت بمفرده، هناك أرواح القدماء يمكنه استحضارها. الفراعنة مثلاً، بعمارتهم وزينتهم ومقابرهم ولقاهم التي تبعثرت في المتاحف العالمية فيما يحاول موقع «المتحف المصري العالمي» جمعها افتراضياً. ثمّة خيارات عدّة لتصريف الوقت في التنقل بين أمكنة ووجوه نساء ورجال مجهولين في أرشيف «المؤسسة العربية للصورة» عبر منصّتها الإلكترونيّة التي تظهّر أساليب ووسائط فوتوغرافية كثيرة لجأ إليها مصوّرون محترفون وهواة، لكنها قبل أيّ شيء وثائق عن البلدان العربيّة منذ منتصف القرن الثامن عشر. ولمن لا يعرف، لدينا متحف افتراضي للفن اللبناني الحديث، يوثّق مراحل تطوّر المحترف التشكيلي اللبناني. اخترنا هنا خمسة متاحف ومجموعات فنية وسينمائيّة رقميّة، للفنون الفرعونيّة والمصريّة، والفن الإسلامي، والفن اللبناني الحديث، والصورة الفوتوغرافيّة في العالم العربي، بالإضافة إلى «عشرة» أفلام قصيرة وشرائط فيديو لمخرجين عرب يصوّرون هواجسهم الشخصية وآفات بلادهم في السنوات الأخيرة الماضيّة. قد تسعف هذه المخطوطات والوثائق البصريّة والمقتنيات والعصور القديمة، في التخفيف من وطأة الساعات الطويلة للمكوث في البيت.
«المتحف الوطني الافتراضي للفن الحديث» في لبنان
«السوق» لأمين الباشا (ألوان مائية على ورق مقوّى ـــ 25 ×35 سنتم ــ 1990)

ربّما هي الإفادة الوحيدة من شحّ ميزانيّة الدولة، ووزارة الثقافة تحديداً التي بسببها اضطّرت لإطلاق متحف افتراضي للفن اللبناني الحديث بسبب عجزها عن بناء متحف حقيقي. طبعاً، لا ضير من المتحفَين معاً، لكن ما يهمّنا الآن هو المتحف الافتراضي الذي افتُتح سنة 2015، بالتعاون بين وزارة الثقافة اللبنانيّة والأكاديمية اللبنانيّة للفنون الجميلة «ألبا». باللغات العربية والإنكليزية والفرنسيّة، هناك مجموعة دائمة تحوي 500 عمل فني منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى القرن الحادي والعشرين لحوالى 130 فناناً وفنانة لبنانية. يقدّم الموقع سبيلَين للتفرّج على مقتنياته: الأولى هي عرض عادي للوحات ننتقيها مع معلومات عن الفنان واسم العمل وتاريخ إنجازه ومواده. لكن الطريقة الثانية هي دعوة إلى التجوّل بين جدران متحف افتراضي مؤلّف من خمس غرف، في كلّ منها مجموعة لوحات مقسّمة بحسب حقبة فنيّة معيّنة، فضلاً عن غرفة خاصّة بالأعمال النحتيّة. ولو أن ثمّة أعمالاً وأسماء لا تزال ناقصة حتى الآن، إلّا أن المتحف يغطّي فترات أساسيّة من تطوّر المحترف التشكيلي اللبناني. نبدأ مع «جيل النهضة الأولى»، وأعمال لمصطفى فروخ، وقيصر الجميل، وعمر الأنسي، وصليبا الدويهي، ثم «جيل النهضة الثانية» أو المحترف التشكيلي الحديث منذ الستينيات وصولاً إلى الثمانينيات، وبعدها إلى القرن الحادي والعشرين. هناك لوحات عارف الريس، ورفيق شرف، وبول غيراغوسيان، وشفيق عبود، وأمين الباشا... عبر الضغط عليها، يمكننا أن نأتي باللوحة إلينا لنراها بمقاس تام، مع معلومات عنها وموادها المستخدمة. كذلك يمكننا التعرّف إلى أعمال سلوى روضة شقير، وهيلين الخال وهوغيت كالان ولور غريّب وغيرهن. في إحدى زواياه أي قسم «وثائقي»، يضمّ المتحف مقابلات مع فنانين لبنانيين في محترفاتهم. إلى حينها، يبدو انتظارنا بلا جدوى لأن تطلق وزارة الثقافة متحفاً حقيقياً لعرض ما يقارب 1800 عمل فني لا تزال محتجزة في مستودعات الوزارة منذ سنوات.
artmodernemv.gov.lb

منصّة «المؤسّسة العربيّة للصورة»
بورتريه لراقصة البالي تمارا تومانوفا، مصر 1950-1960. مجموعة أرمان (المؤسسة العربية للصورة)

طباعة مبتكرة مأخوذة في فلسطين سنة 1905 لمصوّر مجهول، تُظهر السيد سكاف بأربع وضعيات مختلفة على طاولة الطعام. مجموعة يعقوب قطيمي (المؤسسة العربية للصورة)

مظاهرة داعمة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في مدينة صيدا، 1956. من مجموعة شفيق السوسي (المؤسسة العربية للصورة)

إنه ليس متحفاً افتراضيّاً تماماً، لكنه أشبه بمستودع لــ«المؤسّسة العربيّة للصورة». وفيه اختارت حوالى 25 ألف صورة فوتوغرافيّة لرفعها على موقعها، كخطوة أولى، من بين أرشيف هائل يبلغ 500 ألف وثيقة بصرية من صور، وفيديوهات، ونيغاتيفات، وأفلام وأغراض من استديوهات فوتوغرافية ووثائق أخرى. جغرافياً، تتجاوز المجموعة حدود لبنان، إذ تشمل صوراً من كلّ المنطقة العربية، وشمال أفريقيا وبلدان الشتات العربي منذ ستينيات القرن الثامن عشر إلى اليوم. الموقع الذي يتيح للزوار التنقّل بين وجوه وأمكنة وحقبات وبين تطوّر أساليب التصوير والتظهير على مرّ الحقبات، لا يغفل عن معنى الأرشيف بمادّيّته التي تكسبه مع الوقت تأويلات جديدة. ما يميّز التفرّج على الصور هو أنها لا تكتفي بتظهير اللقطة وفق إطارها الرباعي، بل تُظهر جوانبها المادية كلّها مثل المعلومات والعبارات المكتوبة بخط اليد على الوجه الخلفي للصورة، وخدوش هيكلها الناتجة عن التحوّلات المادية والتفاعلات الكيميائية مع الوقت. وهذا ما يمنح المتفرّج عليها وقعاً حقيقياً قدر الإمكان. أُرفقت الوثائق البصريّة بمعلومات بالعربية والإنكليزية لتواريخها وطريقة وصولها إلى المؤسسة يمكن للمستخدمين والمتفرّجين العثور عليها من خلال أدوات بحث في كتابة كلمات مفتاحية أيضاً (تواريخ، مواد، مناطق، مواضيع…). هناك أيضاً قسم تفاعلي يطلب من الناس تقديم معلومات عن الصور، إن أرادوا، عبر نوافذ محدّدة تتبناها المؤسسة بعد التأكد منها.
arabimagefoundation.org
«عشرة» أفلام وشرائط فيديو
لقطة من فيلم «قبل ما أنسى» لمريم مكيوي (2018)

تتبدّل الأفلام كل فترة على منصّة فيديو «عشرة» (أطلقتها «أشكال ألوان»). و«عشرة» هو عدد الأفلام الذي تحويه المنصّة في فترة محدّدة. أفلام قصيرة، وأعمال فيديو تجريبية، وعروض مسرحيّة مصوّرة من لبنان والعالم العربي هي ما يقدّمه هذا الأرشيف، الذي يصل إلى المتفرّجين في بيوتهم، في وقت لا يجد فيه هذا النوع من الأفلام دائماً مجالاً لعرضه محليّاً. حالياً وحتى الأوّل من نيسان (أبريل) المقبل، تعرض المنصّة أفلاماً قصيرة من سوريا ومصر، ولبنان وفلسطين وإيران. هناك «أخيراً مصيبة» لمايا الشربجي (2017)، و«فناء» لخالد عبد الواحد (2018)، و«قبل ما أنسى» لمريم مكيوي (2018)، و«لقد وقعت على عريضة» لمهدي فليفل (2018)، و«بلدنا الرهيب» لمحمد علي الأتاسي وزياد حمصي (2014)، و«2026» لمهى مأمون (2010)، و«شارع الموت» لكرم غصين (2017)، و«برة في الشارع» لياسمينة متولّي وفيليب رزق (2015)، و«نسبة نهائية ــ جيل الشمس» لبهار نوري زاده (2017)، وفيديو مسجّل لمسرحية «لكم تمنت نانسي لو أن كل شيء لم يكن سوى كذبة نيسان» لربيع مروّة (2007) التي واجهت عرقلة من الرقابة اللبنانيّة قبل عرضها. في هذه الأفلام، نتعرّف إلى أساليب تجريبية وهواجس مختلفة لجيل من المخرجين، تصبّ في التحوّلات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي في السنوات الأخيرة، من الحرب والحدود والاحتلال، والصراعات المحليّة المعاصرة.
aashra.ashkalalwan.org
الفن الإسلامي «بلا حدود»
«رأس سقاية» (برونز، مصبوب على طريقة الشمع المفقود، منحوت ومضاعف التذهيب ـــ 32.3×31.5 سنتم ـــ النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي/ الأندلس)

مصحف كوفي (رق غزال أو ماعز مزخرف بخطوط هندسية - 24×31.5 سنتم ــ العصر العباسي/العراق)

لا تدّعي منصّة «متحف بلا حدود» الإحاطة بسياقات الفن الإسلامي بأكملها. بدلاً من ذلك، تقدّم وثائق وقطعاً فنية على موقعها، جمعتها افتراضياً من مجموعات أهم متاحف الفن الإسلامي في العالم من إسبانيا وتركيا والمغرب وإيطاليا وتونس والجزائر والأردن وبريطانيا ودول أخرى. زمنياً، تبدأ المجموعة بسنة 400 بعد الميلاد وتتواصل إلى ألفي سنة بعده، من خلال مجموعتين دائمتين (الأولى بدأت بتجميعهما ورقمنتها بين 2004 و2007، والثانية بدأ تفعيلها سنة 2009). تعرض المجموعات بطرق وعناوين متعدّدة. هناك، مثلاً، معارض متوافرة على الموقع، تغطّي حقبات أساسيّة من الفنون الإسلاميّة وعصورها: العصور الأمويّة والعباسيّة والفاطميّة، وتنتقل بنا إلى الأتابكة والأيوبيين، والمماليك والعثمانيين وظهور هذا الفن في المجتمعات الإسلاميّة في بعض الدول الغربيّة. جزء من المعارض الافتراضيّة الأخرى ترتبط بثيمات وتقاليد أساسية في التراث الإسلامي الفني، مثل تمثّلات الماء والمرأة وطقوس الحج، وفنون الخط العربي والتصوير والزخارف الهندسيّة وغيرها. تتوزّع قاعدة البيانات على التقاليد البصريّة المتنوّعة لأنماط العمارة الإسلاميّة، والمواد الشائعة في الأعمال والأدوات الفنية، وأنماط التخطيط والزخرفة، كلّ ذلك من خلال صور ومعلومات مرفقة بها، يمكن الوصول إليها من خلال طرق بحث متنوّعة بين تاريخها، وحقبتها الزمنية، والوظائف، والبلد التي توجد فيه. هناك أيضاً خاصيّة تتيح للزائر بناء مجموعته الفنيّة الخاصّة.
islamicart.museumwnf.org
موقع «المتحف المصري العالمي»
تمثال صغير لفرس النهر (بورسلان – 11 سنتم ــ عصر الدولة الوسطى - الأسرة الحادية عشرة)

يجمع موقع «المتحف المصري العالمي» افتراضيّاً، القطع الأثرية التي أُبعدت وسلبت من مصر، واستولت عليها متاحف 99 دولة في العالم. نظراً إلى استحالة استعادتها ماديّاً، بالرغم من محاولات الدول المستعمَرة سابقاً استعادة قطعها الأثرية من الدول المستعمِرة، يرسم المتحف أمامه خطّة تهدف إلى تجميع حوالى مليوني قطعة أثريّة لمصر القديمة على موقعه. هناك نوافذ وطبقات عدّة للمتحف الافتراضي تتوجّه إلى المتفرّج العام، وإلى الباحثين المتخصصين والأطفال. يتيح المتحف للعامّة الاطلاع والتعرّف إلى أكثر من 1189 قطعة أثريّة تتوزّع بين الملابس والعمارة، والبقايا العضويّة، ومعدّات المقابر والحلى وغيرها من الأدوات التي استخدمها المصريون القدامى. لكن قسم المتخصّصين يحوي أدوات بحث متطوّرة لأكثر من عشرة آلاف قطعة أثريّة، فيما هناك مساحة تفاعليّة للأطفال لا تقتصر على عرض القطع، بل تبتكر أساليب للتعرّف إليها بطرق مسليّة. بصريّاً، يفتقر المتحف إلى التطوير، لكن العمل الذي جاء نتيجة جهد «مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي» برعاية «اللجنة الوطنية للمصريات» يقدّم معلومات تاريخية وتوثيقية وافرة عن الأعمال واللقى المصرية بثماني لغات عالمية، إضافة إلى معجم يفسّر 400 كلمة من المصطلحات الأثريّة. بقدر ما نظن أننا نعرف الحضارة المصريّة والفرعونيّة، يقول لنا الموقع عكس ذلك تماماً بتقديمه تصوّراً شاملاً عن تطوّر أسلوب الحياة وممارسات سكّان وملوك مصر القديمة بدءاً من عصر ما قبل التاريخ. يصل التوثيق إلى لقى من مصر القديمة، والعصر الفرعوني الحديث، ويرافق التاريخ بما يتجاوز أسوار المجتمعات الفرعونية نحو الحقبة اليونانية والرومانية والعصر القبطي ثمّ الإسلامي والنوبي.
.globalegyptianmuseum.org