اشتغلت دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للتصويب على سياسات الدولة الصينية وحزب الرجل الواحد في سرعة الاستجابة لانتشار فيروس «كورونا» الذي يُعتقد أنه نشأ في مدينة ووهان وسط البلاد. ظنّ الغرب أن أي مكروهٍ لن يصيب بلاده، وأن الوقت هو الأنسب لتصفية الحسابات السياسية مع الصين. لكن المسافة بين بداية شباط/ فبراير الماضي، واليوم، بدّلت المشهد العالمي بشكلٍ جذريّ. قبل شهر ونصف شهر، كانت الصين موطنَ أكثر مِن 99% من الحالات المؤكّدة إصابتها، في مقابل تسجيل سبع حالاتٍ في أميركا وحالتين في إيطاليا. بمرور الأسابيع الأخيرة، أصبح «كوفيد-19» وباءً عالمياً ينتشر بسرعة في أنحاء الولايات المتحدة، ويضع إيطاليا في حجر صحيّ شامل، بينما بدأت الصين تعود تدريجيّاً إلى العمل، بعدما أثبتت سياسات الدولة فعالية عالية في احتواء المرض.

بيدَ أن الانتشار السريع للفيروس، وضع الاقتصاد العالمي على سكّة ركودٌ مؤكّد متأثراً، بسرعة انتشار الوباء أولاً، وتداعيات حرب أسعار النفط الروسية - السعودية ثانياً. وفي ذروة تراجع الاقتصاد الصيني، في الشهرين الأوّلين مِن العام الجاري، كانت الأسهم الأميركية تعزّز مكاسبها. لكن ذلك سيتغيّر سريعاً، وسيتسبّب الوباء العالمي بزعزعة كبرى الاقتصادات. سوق الأسهم الأميركية تلقّت ضربات متتالية، آخرها حرب الأسعار التي هبطت ببورصة «وول ستريت» إلى مستويات قياسية، اضطرت إزاءها إلى تعليق التداول أكثر من مرة. في هذا الوقت، سجّلت السوق الصينية أفضل أداء في العالم لعام 2020، وفق مجلّة «إيكونومست». وفي حين انخفض مؤشّر كبرى الشركات الصينية «سي اس آي 300»، بنسبة 5% تقريباً منذ بداية العام الجاري، لا يزال أداؤه جيّداً جداً بالمقارنة مع المؤشرات الأميركية: ارتفع «ChiNext»، مؤشّر شركات التكنولوجيا المقابل لـ«ناسداك» الأميركي، بأكثر من 10% هذا العام. انطلاقاً من ذلك، تشير المجلة البريطانية في مراجعة لأداء الصين، إلى أن المخاوف من انتشار «كوفيد-19»، وتحديداً الأضرار الاقتصادية التي ستنجم مِن التدابير المتّخذة لإبطائه، كانت سبباً رئيساً لانهيار أسعار الأسهم في أميركا وأوروبا، اللتين استيقظتا، أخيراً، على أزمة هائلة سبّبها الفيروس، وكان عليهما ان تنظمّا استجابة سريعة على المستوى الاجتماعي، لمكافحة تَمدُّد المرض. من هنا، يدعو الاقتصادي الألماني، هانز فيرنر سين، في مقالة نشرت في موقع «بروجيكت سينديكت»، جميع الدول إلى السير على خطى الصين التي فازت في معركة مواجهة الفيروس، وإلى أخذ درس مِن ألمانيا في كيفية إدارة تداعياته الاقتصادية.

سجّلت السوق الصينية أفضل أداء في العالم لعام 2020


على المستوى الاقتصادي، لم يعد تجنّب الركود الحادّ ممكناً، إذ يدعو بعض الخبراء الاقتصاديين حكومات العالم إلى اتخاذ تدابير لدعم الطلب. لكن هذه التوصية غير كافية، بالنظر إلى أن الاقتصاد العالمي يعاني مِن صدمة عرض غير مسبوقة: الناس ليسوا في العمل لأنهم مرضى أو في الحجر الصحي. في مثل هذه الحالة، يقول الاقتصادي الألماني، فإن تحفيز الطلب سيعزّز التضخم، ما قد يؤدي إلى تضخم الركود (نمو الناتج المحلي الإجمالي الضعيف أو المتراجع جنباً إلى جنب ارتفاع الأسعار)، كما حدث خلال أزمة النفط في السبعينيات. الأسوأ، أن الإجراءات التي تستهدف جانب الطلب يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، لأنها ستشجّع الاتصال بين الأشخاص، وبالتالي ستقوّض الجهود المبذولة للحدّ من انتقال الفيروس. تنطبق الحجج ذاتها على دعم السيولة: العالم غارق بالفعل في السيولة، مع أسعار فائدة رمزيّة قريبة من الصفر. وعليه، فإن هناك حاجة إلى اتخاذ تدابير مالية لإنقاذ الشركات والمصارف من الإفلاس، حتى تتمكن من التعافي بسرعة بمجرد تلاشي الوباء. لذا، ينصح فيرنر سين صنّاع القرار بالنظر في أشكال مختلفة من الإعفاءات الضريبية والضمانات العامة لمساعدة الشركات على الاقتراض إذا لزم الأمر. لكنّ الخيار الواعد، يقول، هو بدل العمل لوقت قصير. هذا النهج، الذي تمت تجربته واختباره في ألمانيا، لا يكلف أيّ شيء، لأنه يمنع الخسائر التي قد تنجم عن زيادة البطالة الحقيقية. ولكن الأهم من ذلك كلِّه، أن تحذو جميع الحكومات حذو الصين في اتخاذ إجراءات مباشرة ضدّ «كوفيد-19».