منذ بداية تفشّي فيروس «كورونا» في العالم، وفي أوروبا خصوصاً، تميّزت الإجراءات المتّخذة على المستوى الحكومي في فرنسا لاحتوائه، بـ«الخجل» حيناً، و«التردّد» أحياناً. أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، منها السياسي ومنها الاقتصادي، أمّا الإنساني فلم يجد طريقاً إلى الحسبان إلا مؤخّراً، عندما شعرت الحكومة بأنّ نظامها الصحّي الذي يعدّ الأبرز والأشمل في أوروبا، بات مهدّداً أمام الارتفاع المضطرد في عدد الإصابات. وربمّا كان المثال الأبلغ على نهج التعامي المعتمد، إعلان وزارة الصحة، السبت، عن دخول البلاد في المرحلة الثالثة والأخيرة، والتي تعدّ الأخطر في مراحل انتشار فيروس «كورونا»، لتتبع ذلك بإصرارها على إجراء الانتخابات البلدية، في اليوم التالي.

19 يوماً فصلت بين إعلان وفاة أول إصابة بالفيروس وبين تصريح الرئيس إيمانويل ماكرون، أمس، بأنّ بلاده «في حالة حرب»، دفعته إلى إعلان منع التنقّل إلا للضرورة، وتأجيل الجولة الثانية من الانتخابات. الفترة ذاتها كانت فاصلة عن تسجيل وفاة 127 شخصاً من بين أكثر من 5423 إصابة، ونقل أكثر من 400 شخص إلى المستشفى في حالة خطرة. ولكن ذلك لا يمنع من السؤال: لماذا اعتمد الرئيس الفرنسي المماطلة؟ لماذا أصرّ على إجراء الانتخابات البلدية، وتأخّر في الإعلان عن إلغاء الجولة الثانية منها؟ بمعنى آخر، لماذا آثرت الحكومة اعتماد الإجراءات التدريجية غير الناجعة، مشيعة شعوراً من الخفّة تارة، وجارّة قدميها إلى فرض إجراءات باتت حتميّة، تارة أخرى، مفضّلة بدلاً من ذلك إلقاء اللوم على المواطن «الطائش»، الذي آثر تمضية نهار مشمس في الحدائق العامة، على الحجر المنزلي الاختياري.
قبل أسابيع، كان بالإمكان ربط هذا التأخير بالهواجس الاقتصادية، وحماية الشركات، لتفادي أزمة اجتماعية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن الآن، برزت مؤشرات أكثر سوداوية ممّا يمكن تخيّله، إن على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، مدفوعة بالعامل الأساسي، أي الصحّي. وقبل أسابيع أيضاً، كان يمكن اتخاذ الإجراءات التي اتخذها ماكرون، أمس. ولكنّ هذا الأخير فضّل التأجيل، آخذاً في الاعتبار الانتخابات البلدية التي أجريت الأحد، والتي ربّما عوّل على أن تقلب نتائجها التوقعات، وبالتالي يحقّق فيها حزبه انتصاراً ما. إلّا أنّ النتائج لم تنصفه، بينما جاءت نسبة المشاركة لتكون أكبر دليل على خطأ قراره بإجرائها في وقتها، وبالتالي ضرورة تأجيل الجولة الثانية منها.

لم تشهد الفترة الماضية إجراءات ترقى إلى مستوى سرعة انتشار الوباء


ووسط كلّ ذلك، لم يكن من المنصف أن تضع الحكومة ، ومن ورائها الإعلام، اللوم على «استهتار» المواطن فقط، بينما لم تشهد الفترة الماضية إجراءات ترقى إلى مستوى سرعة انتشار الوباء. فكل ما كان قد تمخّض عن الحكومة من إجراءات، لم يتعدّ منع التجمّعات لأكثر من 100 شخص، وإغلاق متحف اللوفر وبرج إيفل، إضافة إلى إغلاق المدارس والجامعات.
فضلاً عن ذلك، عمد ماكرون إلى إشاعة شعور من الثقة والرضا. ففي العاشر من آذار، مثلاً، دعا الفرنسيين إلى تجنّب الذعر، مؤكداً أنّ بلاده لا تزال «في بداية» تفشّي الفيروس. وبعدها بثلاثة أيام، دعا مرة أخرى، إلى تجنّب الذعر، مشدداً على أنّ السلطات «منظّمة» لمواجهة الأزمة. تلا ذلك إعلان دخول فرنسا في المرحلة الثالثة والأخطر من مراحل انتشار الفيروس، ليليه إعلان آخر أكثر جدّية صدر عن مدير عام شؤون الصحة جيروم سالومون، أكّد فيه أنّ الوضع «مقلق جداً» و«يتدهور بسرعة كبيرة»، معبّراً عن قلقه من احتمال «استنفاد» قدرات المستشفيات على استقبال مرضى. سالومون قال، أمس، لإذاعة «فرانس إنتر»، إنّ «عدد الحالات بات يتضاعف كل ثلاثة أيام»، لافتاً إلى أنّ «هناك مرضى في حالة صعبة، في العناية الفائقة، ويقدر عددهم بالمئات».
المسؤول الثاني في وزارة الصحة أبدى هواجس واضحة، تتناسب مع لحظة الحقيقة التي تقف أمامها بلاده، فأشار إلى أن «هناك مخاوف من أن تؤدي سرعة انتشار الوباء إلى استنفاد قدرات النظام الاستشفائي الفرنسي»، مشدّداً على أن «هذا ما نريد تفاديه بأي ثمن».
الأرقام كبيرة، وتدلّ على واقع صحّي مخيف، قد يتساوى قريباً مع ذاك الذي في إيطاليا أو إسبانيا. حتّى النسب التي تحملها هذه الأرقام قد تبدو أكثر إثارة للمخاوف، لا سيما أنها أظهرت أنّ أكثر من نصف المصابين الموجودين في العناية الفائقة هم تحت سنّ الستين، وإن كان ذلك يعني شيئاً، فهو أن نسبة كبيرة من الوفيات لن تطال كبار السن فقط.