ليست الفيضانات التي ضربت لبنان أمس مؤشر إهمال فقط، شأنها شأن الحرائق التي كادت تخرج عن السيطرة قبل شهرين لولا تدخّل الأمطار. وهي ليست إلا نموذجاً صغيراً لما يمكن أن يحصل عندما تزداد وتيرة المتساقطات وسرعتها وكثافتها في بلد هشّ كلبنان.

لا يمكن حصر ما يحصل تحت عنوان «الإهمال» فقط، علماً أن فساد الإدارة العامة في لبنان أمر لا يحتاج إلى نقاش أو برهان. لكنّ قضية تغير المناخ العالمي لها بصمتها أيضاً. ولطالما تحدثت التقارير الدولية للأمم المتحدة عن «مظاهر مناخية متطرفة» تنتظرنا، يتوقع أن ترتفع وتيرتها أكثر لتصبح مدمّرة. وليست في الأمر مبالغات ولا مفاجآت. فكل السيناريوهات حول هذه المواضيع مسجّلة وموثّقة منذ ربع قرن تقريباً، وتم تناولها في مقالات وتقارير ذات صلة. وما كان على السلطات سوى وضع الاستراتيجيات والسياسات والخطط لـ«التكيّف» مع هذه الظواهر، واعتماد سياسات «التخفيف» من الانبعاثات المسبّبة لها. ليس في هذا تقليل من مسؤولية السلطة، بل يعني أن المسؤولية الأساسية تقع على الجهات الرسمية نفسها، وأن الكوارث المنتظرة «إنسانية»، وليست «طبيعية»، كما يروّج الفاشلون. وبما أن الإهمال والفساد والفوضى السياسية والإدارية هي سمات أساسية في لبنان، وتتسبّب بكوارث على كل المستويات، فلا يسعنا إلا أن نتوقع المزيد من هذه الكوارث.
استعان لبنان بالأمم المتحدة وبرامجها منذ مدة لتأسيس لجان وهيئات تحت عنوان «إدارة الكوارث». إلا أن كل المحاولات كانت تصطدم بعوائق فكرية وإدارية، هي نفسها التي حالت دون التقدم في أي ملف تقليدي مثل الطاقة والكهرباء والماء والزراعة والصناعة... الخ.
نجحت بعض الأفكار في الإضاءة على بديهية أن «هيئة الإغاثة» ليست هي الجهة الصالحة لإدارة الكوارث على الإطلاق. إلا أن هذه الأفكار والبرامج لم تنتج نظريات متكاملة حول تعريف الكوارث وتصنيفها ولا حول كيفية إدارتها، وهل يجب أن تكون هناك جهة أو هيئة واحدة تدير كل أنواع الكوارث؟
طبيعة الكوارث المختلفة تحتاج إلى إدارات مختلفة. لا بل إن هناك تخصصات مختلفة لمواجهة نوع واحد من الكوارث كالحرائق مثلاً. فإدارة كارثة ناجمة عن زلزال ليست كإدارة كارثة ناجمة عن حريق، ومواجهة حريق في مبان ليست كمواجهة حريق غابات، لجهة أساليب الوقاية والأدوات والجهاز البشري المدرّب.
وعلى سبيل المثال، لا نعرف كيف سيتصرف بلد مقبل على التنقيب عن النفط والغاز مع أي كارثة نفطية محتملة (أثناء التنقيب أو الاستخراج أو النقل…)، وهو الذي لم يجهّز نفسه للتعامل مع أبسط التسرّبات النفطية أثناء تفريغ الحمولات العادية؟
وبالمناسبة، تشكّلت في لبنان، عام 1998، هيئة لإدارة التسربات النفطية في وزارة البيئة باسم «لجنة الطوارئ لمنع ومكافحة تلوّث البحر بالنفط»، تطبيقاً لاتفاقية برشلونة وبروتوكولاتها. إلا أن المدير العام للوزارة ألغاها لاحقاً بسبب خلافه مع مديرها. وعندما دمّر العدو الاسرائيلي، في تموز 2006، أحد خزانات الفيول في الجية ضرب التلوّث كل الشاطئ اللبناني وامتدت البقع إلى شاطئ طرطوس، من دون أن أن يكون هناك جهاز بشري مجهّز بالمعدات قادر على التدخل السريع وحصر الأضرار. يومها، لم يُفتح أي تحقيق في الأمر، وكانت التبريرات أن هناك حاجة لإدارة الكوارث الشاملة في لبنان وليس لإدارة خاصة بكل نوع من أنواع الكوارث.
ليس مفهوماً بعد لماذا لا تكون هناك إدارة شاملة للكوارث تضم هيئات تخصّصية مدرّبة ومجهّزة ولديها برامج وقاية ومنظومة تشريعات وقوانين تحدد المهمات والمسؤوليات والعقوبات بين السلطات المركزية واللامركزية (بين الوزارات المعنية والبلديات). ولا نعرف أين أصبحت محاولات وضع استراتيجية شاملة للتنمية المستدامة، تعيد النظر في كل استراتيجيات الوزارات وسياساتها وخططها ومشاريعها، وتربط في ما بينها، مع الأخذ في الاعتبار التوجهات الحديثة للإدارة المستدامة للموارد والسبل الوقائية للحماية وحفظ الأنظمة الايكولوجية، وتجنب إنشاء مشاريع يمكن أن تتحول إلى كوارث، كإنشاء سدود مكشوفة ضخمة تدمر النظم الايكولوجية وتراكم الملوّثات (كما حصل في القرعون) وتنقلها إلى الزراعة والناس... إضافة إلى الكوارث المرتقبة في حال نجاح مشاريع محارق النفايات التي يمكن أن تتسبب بكوارث إضافية.
لو كانت لدينا هيئة لإدارة الكوارث، لها فلسفتها المتواضعة، لكانت انطلقت من أبسط مبادئ الاستدامة وحفظ قواعد ومتطلبات العدالة الاجتماعية والمناخية وحقوق الأجيال القادمة وديمومة الموارد... ولكنا خفّفنا من كوارث محتملة، إن لناحية الحرائق أو الزلازل أو الفيضانات أو الكثير من الملوّثات الكيمياوية والنفطية وغير النفطية.
وتجدر الإشارة إلى أن مسؤولية وضع استراتيجية التنمية المستدامة الشاملة وإنشاء هيئات إدارة الكوارث، بما أنها عابرة للوزارات والإدارات المعنية، هي مسؤولية رئاسة الحكومة من ناحية المبدأ. وحبّذا لو نسمع كلمة واحدة، في رحلة البحث عن رئيس حكومة، عن تعهّد أو مشروع برنامج يشمل هذه الكوارث المحتملة، لأنها ليست أقل وطأة من الكوارث الاقتصادية والإدارية والسياسية والطائفية!