للشهر الثالث على التوالي، تعصف ازمة النفايات بعدد من مناطق الشمال اثر قرار أصحاب مكب عدوة إغلاقه نهائياً. أكوام النفايات المكدّسة في شوارع المنية وأزقّتها أدّت الى انبعاث روائح كريهة بعد ارتفاع درجات الحرارة وانتشار كثيف للبعوض والبرغش، من دون أن تلوح في الأفق بوادر حلّ. وإلى المخاطر الصحية، يهدّد استمرار الأزمة في المنية والضنية بضرب الموسم السياحي في المنطقتين اللتين يقصدهما عدد كبير من الزوار صيفاً.

الجديد في الملف هو الملابسات التي رافقت جلسة طرح الثقة، الخميس الماضي، برئيس بلدية المنية ظافر زريقة واستقالة ٩ أعضاء (يُضافون الى اثنين استقالا سابقاً ما يجعل البلدية منحلة)، اعتراضاً على عدم تسليم رئاسة البلدية لرئيس اتحاد بلديات المنية المستقيل عماد مطر. إذ اتهم زريقة مطر بـ«افتعال» أزمة النفايات للضغط عليه بسبب رفضه تسليمه رئاسة البلدية بحسب الإتفاق بينهما. وأكّد أن «الأزمة مفتعلة وضمن سلسلة ضغوط لإفشالنا وزيادة الضغط الشعبي علينا من أجل دفع المجلس البلدي إلى الإستقالة، حتى أننا واجهنا عقبات لمنعنا من رفع النفايات من الشارع».
يذكر أنه بالتزامن مع إغلاق المكبّ، أقفلت الشركة المشغلة لمعمل فرز النفايات في المنية أبوابها، بشكل مفاجئ، لمدة 17 يوماً من دون أسباب واضحة، وساهم ذلك في تفاقم الأزمة وتكدس أكوام النفايات في الشوارع. واللافت أن رؤساء البلديات والاتحادات لم يتحسبوا لاغلاق المكب رغم إعلان وزير البيئة فادي جريصاتي إثر زيارته عدوة أنه سيقفله نهائياً، فيما أكد صاحب المكب مصطفى سيف لـ«الأخبار» أنه أرسل ثلاثة إنذارات رسمية الى رئيس اتحاد بلديات الضنية محمد سعدية ورئيس بلدية المنية ظافر زريقة يعلمهما بنيته إقفاله بعدما فقد قدرته على الإستيعاب، وبعدما تخطت مستحقاته في ذمة البلديات الـ650 مليون ليرة. وبحسب سيف، «كان المطمر يستقبل يومياً بين 45 و50 طناً من العوادم من بلدية المنية فقط»، وهو رقم مرتفع مقارنة بكمية النفايات التي تنتجها المدينة (نحو 70 طناً). مصادر في بلدية المنية أكّدت لـ«الأخبار» أن ارتفاع كمية العوادم «كان يهدف الى زيادة الكلفة المادية على البلدية، وبالتالي زيادة الضغط على أصحاب المكب للمطالبة بأموالهم، والإسراع في اقفال مكب عدوة، في وقت كانت البلديات تعاني من شح مالي بسبب احتجاز وزارة المال عائدات الصندوق البلدي المستقل».

على مدى 15 عاماً لم تعمل آلات التسبيخ في معمل الفرز ما زاد من كمية العوادم


ويفترض أن تفرز الـ70 طناً التي تنتجها المنية في معمل الفرز الذي تمت توسعته ليستوعب نحو 150 طناً تنتجها بلديات اتحاد بلديات المنية (برج اليهودية، المنية، دير عمار، بحنين ومركبتا). ويقضي الاتفاق أن تتولى كل بلدية جمع النفايات ونقلها، فيما يتولى الإتحاد فرزها والتخلص من العوادم في مكب عدوة. ومع اقفال الأخير تكدّست العوادم في ساحات المعمل وبات غير قادر على استيعاب مزيد من النفايات ليتوقف الفرز بشكل تام.
ويعزز ذلك ما كشفه تقرير أعده موقع International Policy Digest حول الفساد المالي والإداري في المعمل، خصوصاً في مجال اعادة تسبيخ النفايات العضوية. وجاء في التقرير انه «في عام 2005، تم افتتاح محطة لإعادة التدوير وصناعة الأسمدة في المنية بتمويل الاتحاد الأوروبي في مرحلتي البناء والتشغيل. ومنذ اللحظات الأولى كانت عملية البناء كذبة سافرة دبرتها شركة فازت بالمناقصة التي أجراها مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية. إذ كان دورها الوحيد إنتاج معدات ضخمة وهمية لصنع السماد العضوي، بينما كانت تلك الآلات في الحقيقة مجرد أسطوانات فارغة بُنيت لخداع الممولين والحصول على نصف مليون دولار ثمناً لها، ولم تُنتج تلك الأسطوانات ولو مقدار قبضة من الأسمدة، وبقيت قابعة في المصنع أكثر من عقد من دون تشغيلها».
وما يكشفه التقرير يوضح انه على مدى 15 عاماً، لم تعمل آلات التسبيخ الامر الذي زاد من كمية العوادم. إذ كان يفترض ان ينقل الى مكب عدوة أقل من 24 طناً من العوادم يومياً، الا أن الكمية تخطت الـ50 طناً، ما زاد من الكلفة على البلديات، واقتصر الفرز على النفايات التي تباع فقط (بلاستيك وكرتون وحديد) فيما يُرحّل ما يتبقّى منها مع العوادم!