يعرض وزير البيئة على مجلس الوزراء، اليوم، مسودة «السياسة المتكاملة لقطاع محافر الرمل والاتربة والمقالع والكسارات». بحسب قراءة اولية للمسودة المؤلفة من خمس صفحات (حصلت عليها «الاخبار»)، يمكن القول انها المرة الاولى التي تقدم فيها ورقة جدية تستحق النقاش لتنظيم هذا القطاع، بما يوفّر الكثير من التلوث والتشويه للطبيعة اللبنانية، وتأمين مداخيل للخزينة بمليارات الدولارات. إلا أنها تعاني من ارباك في شان المرحلة الانتقالية التي سيبقى خلالها باب الترخيص مفتوحاً ضمن المخطط التوجيهي الحالي، ما يعني حكماً إعطاء ممهل جديدة ريثما يتم اعتماد قانون جديد. كما تشوب المسودة شوائب تفترض مزيداً من الدرس والتمحيص، خصوصاً في ما يتعلق بجوانب استراتيجية يُفترض أخذها في الاعتبار، مثل تغييبها أي مقترحات لمعالجة مشكلة مقالع الترابة والاسمنت التي تثقل على البيئة اللبنانية تشويهاً وتلويثاً، عبر إلغاء الدعم الحكومي لهذه الصناعة الاحتكارية.

تتضمن مسودة «السياسة المتكاملة لقطاع محافر الرمل والاتربة والمقالع والكسارات»، التي يقدّمها وزير البيئة فادي جريصاتي الى مجلس الوزراء اليوم، شرحاً لواقع هذا القطاع بناء على مسح أجرته هيئة الاركان في قيادة الجيش وشعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي عام 2013، أظهر وجود نحو 147 محفار رمل و189 مقلعاً وكسارة بحص و219 مقلع حجر تزييني، موزعة في مختلف المناطق (بعضها متوقف عن العمل)، اضافة الى أعمال شفط رمول على مجاري بعض الأنهار ومصبّاتها. وإذ تشير الى أن مسحاً أجرته وزارة الداخلية عام 2010 أحصى 1278 مقلعاً، تلفت الى انه لا يمكن اعتماد أي ارقام دقيقة لأن «عدداً كبيراً من المحافر والمقالع والكسارات يعمل خارج نطاق المرسوم 8803 (4/10/2002) الذي يرعى تنظيم هذا القطاع». ولا تفصّل الورقة الوضع القانوني للمقالع (مرخصة وغير مرخصة) نظرا لأن معظمها يحصل تحت مسميات (احتيالية) مختلفة (مهل ادارية، استصلاح وافرازات اراض، نقل ستوكات، نقل ناتج الى مستودعات، مغاسل رمول، مجابل باطون، مجابل زفت، مناشير صخور، استثمار محافر رمل صناعي، فقاشات، شق طرق، رخص بناء، انشاء برك جبلية…)، وهي تعمل بالتالي من دون تراخيص من المجلس الوطني للمقالع، ناهيك عن تعددية المراجع التي تمنح الأذونات (الداخلية والبيئة والمحافظون والبلديات…)، وهو ما أغفلت المسودة ذكره.

المبادئ الاساسية
تعرض الورقة للمبادئ الاساسية التي تنطلق منها السياسة المقترحة لتنظيم هذا القطاع والمتضمنة في قانون البيئة والبيان الوزاري وصلاحيات وزارة البيئة ودور المجلس الوطني للمقالع في إدارة هذا القطاع، مع التأكيد على «واجبات الحكومة في تأمين المواد الاولية لقطاع لبناء وفق الجدوى البيئية والاقتصادية الأنسب»، وعلى واجب المستثمرين في الامتثال للقوانين والحصول على ترخيص مسبق مع التقيد بالشروط البيئية، وايلاء اهمية خاصة لتدوير المواد الناتجة عن أعمال الهدم لإعادة تأهيل المواقع المشوهة. وتشدد على وقف حالات الالتفاف على النصوص والالتزام بمضمون استشارة هيئة التشريع والاستشارات العام 2005 التي وصفت المهل الادارية بمثابة «القرارات الادارية المعدومة الوجود».

الجانب الإجرائي للسياسة
إجرائياً، تنص المسودة على إجراء مسح شامل لخلق قاعدة معلومات لدى المجلس الوطني للمقالع لاتخاذ القرارات اللازمة، عبر إنذار المواقع التي لا تزال تعمل لتطبيق المرسوم 8803 لإعادة التأهيل، ومصادرة الكفالات في المواقع التي توقف العمل فيها والادعاء امام القضاء المختص للمطالبة بالتعويض عن عدم إعادة التأهيل، ووقف المواقع غير المرخصة او بعد انتهاء ترخيصها وملاحقتها قضائياً، ووقف الالتفاف على القوانين تحت مسميات مختلفة. مع الاشارة هنا الى أن كثيراً من المواقع بات يستحيل اعادة تأهيلها بعدما تأخرت الدولة كثيراً في مقاضاتها.
ضمن الجانب الاجرائي، تدرج المسودة فقرة يفترض أن تكون من ضمن رؤية شاملة لهذا القطاع.

تغفل المسودة تعدد المراجع التي تمنح أذونات العمل للمقالع والكسارات تحت مسميات تضليلية

إذ تشير الى إعداد دراسة جدوى لفتح باب استيراد الرمل والبحص (استنادا الى دراسة أعدتها ايدال عام 2017 حول كلفة هذا الاستيراد). وإذا كان هذا مطلباً مزمناً للبيئيين، (الرمل يستخرج غالباً في لبنان من الأماكن التي تنبت فيها أشجار الصنوبر المثمرة)، إلا أن الورقة تغفل الاشارة الى فتح الباب أمام استيراد الاسمنت التي يمكنها أن توفر الكثير من التشويه والتلوث وخفض الفاتورة الصحية. كما أنها تغفل وضع استراتيجية تربط بين الحاجات والإمكانات الطبيعية والبيولوجية والجيولوجية في لبنان وكيفية ضبط الحاجات، عبر وضع ضرائب على الشقق الفارغة، على سبيل المثال، لعدم استسهال هدم الجبال من أجل البناء.

الجانب المالي والاقتصادي
كما تطرح الورقة ضرورة إعادة النظر بالرسوم المتوجبة والغرامات المالية. وهذا يفترض أن يحصل من ضمن القانون الذي طالما تمت المطالبة به، خصوصا بعد أن طعن كبار المستثمرين أكثر من مرة في المراسيم التنظيمية، للتهرب من التنظيم ودفع ما يلزم للخزينة وتحقيق الأرباح. كما تقترح الورقة في الجانب المؤسساتي لحين انجاز مشروع القانون، متابعة العمل بالمجلس الوطني للمقالع وإعادة النظر بنظامه الداخلي وتبسيط الإجراءات، ولكن من دون تحديد.

من يحترم الخطة الشاملة؟
أما في ما يتعلق بالرقابة، فتتكل الورقة المقترحة على المستثمرين في تقديم تقارير دورية الى وزارة البيئة التي تدقق فيها، مع تنشيط وتحسين إنفاذ القوانين والانظمة من خلال المحامين العامين البيئيين وقضاة التحقيق لشؤون البيئة. وهو أمر كان يمكن أن تفعله وزارة البيئة دائما! كما تقترح أن تعد الوزارة التعديلات المطلوبة على المخطط التوجيهي والمرسوم ذي الصلة وتعديلاته، لا سيما المرسوم رقم 8803 الصادر عام 2002 وتعديلاته والمرسوم 1735 الصادر بتاريخ 14/4/2009، مع الأخذ في الاعتبار الخطة الشاملة لترتيب الأراضي التي أقرها مجلس الوزراء عام 2009. وهي الخطة التي لم يتم تحديثها منذ ذلك التاريخ، ولا تم الالتزام بها، لا سيما في خطط مجلس الانماء والاعمار الذي أشرف على وضعها!