مرة جديدة يدخل لبنان الرسمي دائرة الضياع في أزمة النفايات، مع كثرة العارضين وطغيان أصحاب المصالح والنشاط الزائد لـ«الخبراء المحترفين» والأطر الجمعياتية النفعية… هذا المشهد لن يتغيّر إلا اذا عدنا الى الاصل، والى ارساء قواعد باتت عالمية (وعربية مؤخراً). أما الخيارات (لا سيما الحرق والطمر لكل شيء) التي لخّصها رئيس لجنة الاشغال النيابية نزيه نجم، ووافق عليها وزير البيئة فادي جريصاتي بالصمت، فلا تمتّ بصلة إلى المبادئ التي أقرها لبنان في الاجتماع الاستثنائي لوزراء البيئة العرب بداية هذا العام، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة التي انعقدت في نيروبي الأسبوع الماضي. وما على وزير البيئة، المعني الاول بتبني هذه المقررات والسياسات، سوى ترجمتها في استراتيجيات وطنية وقوانين وخطط ذات صلة متوقع انضاجها في الفترة المقبلة.

ففي ختام أعمال الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء البيئة العرب التي عقدت في عمان بداية هذه السنة، كان لبنان بين 18 دولة عربية أقرّت ورقة مفاهيمية وضعتها الأمم المتحدة للبيئة بعنوان «ادارة النفايات الصلبة في العالم العربي». وقد تضمنت مبادئ باتت عالمية مثل «الاقتصاد الدائري» و«تقييم دورة الحياة للمنتجات». وهي مفاهيم، اذا ما دُرست وفُهمت جيداً وتُرجمت في الاستراتيجية التي لم تبصر النور بعد، يفترض أن تتغير معها كل الصيغ الجاهزة التي يطرحها كبار المستثمرين في هذا القطاع. فـ«الاقتصاد الدائري» لا يتوافق مع الحرق والترميد، وهو يعني أن لا شيء يُفترض أن يضيع من الموارد حتى بعد تحوّلها الى نفايات. أما «تقييم دورة حياة المنتجات»، فهي المنهجية الامثل لدرس سبل تخفيف مشكلة النفايات ومعالجة تولدها على المدى البعيد… إذ تعني أن تُدرس كل سلعة في مراحل تحوّلها، منذ أن كانت مواد اولية في الطبيعة، وطرق استخراجها وتصنيعها واستخدامها واستهلاكها… وكلفة المعالجة عندما تتحول الى نفايات. على ضوء هذه الدراسة، يُحدّد سعر السلعة وسبل معالجتها وكلفتها، على أن تحدد الاستراتيجيات ما الذي يجب منعه او تشجيعه، للمحافظة على ديمومة الموارد ودائرية دورة الانتاج والاستهلاك... كل ذلك مع الاخذ في الاعتبار احتمالات نضوب الموارد والأثر الذي تتركه أساليب الاستخراج والتصنيع والاستخدام وطرق التخلص.
وفي الاطار نفسه، أكدت تقارير الأمم المتحدة للبيئة التي عرضت في الجمعية العامة مؤخرا، أن استخراج الموارد زاد أكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 1970. وتتسبب الزيادة في انماط الانتاج والاستهلاك السنوية بزيادة انبعاثات غازات الدفيئة العالمية وتهديد التنوع البيولوجي وزيادة الإجهاد المائي.
تقرير الموارد للعام 2019 توقّع زيادة استخدام الموارد الطبيعية بنسبة 110 في المئة، مما يؤدي إلى تقليص الغابات بنسبة تزيد على 10 في المئة والموائل الأخرى مثل المراعي بنحو 20 في المئة، وزيادة انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 43 في المئة… لذلك، أوصى بالانتقال من الاقتصاد الخطي إلى الدائري عبر احترام دورات حياة المنتج، والتصميم الذكي للمنتجات وإعادة الاستخدام والتدوير وإعادة التصنيع... الخ
هذه المبادئ والسياسات، مضافة اليها مبادئ «التخفيف والتجنب» الأساسية، يمكن أن توفر في الاقتصاد وعلى البيئة والصحة في آن. مع العلم أن للبلدان المصنفة نامية مصلحة أكثر من غيرها، في تبني هذه السياسات المحافظة والحمائية، كون مجتمعاتها استهلاكية أكثر منها منتجة او مصنعة. ومن العبث التفكير في نقل تجارب الدول المصنفة متقدمة، إن من ناحية المبادئ او من الناحية التقنية ونقل التكنولوجيا. كما أن فكرة استرداد السلع الخطرة او السامة افضل واولى من سياسات استرداد الطاقة.
وسياسة حفظ الموارد او توفيرها او تدويرها افضل من سياسة حرقها والمساهمة في زيادة استنزافها. مع حفظ إمكانية توليد الطاقة من غازات تخمير النفايات العضوية وليس من حرقها. بالاضافة الى اعتماد سياسات تشجيع مبادئ الاسترداد والتخفيف بواسطة الضريبة البيئية، لتقليص المواد الباقية للطمر الى اقصى حد. وبعد القيام بكل هذه الاجراءات الاساسية والضرورية، يمكن البحث في طمر ما يتبقّى، او في حرق ما لا يمكن الا حرقه. مع العلم ان تطبيق مبادئ التخفيف والاسترداد وتغريم المواد المزعجة والمكلفة في المعالجة، سيدفع على المدى البعيد المصنّع الى تغيير اتجاهاته في التصنيع ويجعل المحارق والمطامر تفرغ من مضمونها.
في قانون ادارة النفايات الذي اقره مجلس النواب مؤخرا، على عجل، كل الخيارات مطروحة. وفي اللجان النيابية ايضا يتم البحث في كل الخيارات، لاسيما توليد الطاقة من النفايات عبر التفكك الحراري او تحويل النفايات الى وقود بديل لشركات الاسمنت. من حق اي جهة او مجموعة مصالح ان تنظر الى النفايات كمورد يناسبها. من هنا تأتي اهمية الاستراتيجية التي كان يفترض ان تسبق القانون. فهي التي تحدد المبادئ والاتجاهات والاولويات والاهداف والمواصفات والاطر القانونية... وهي التي يفترض ان تترجم مبادئ الحماية والاستدامة واحترام النظم الدائرية... وبناء على دراسة دورة حياة المنتوجات، يفترض ان تحدد الخيارات وما الذي يفترض تشجيعه ودعمه، وما الذي يفترض تجنبه ومنعه، وما الذي يفترض ان تفرض عليه الضرائب لتجنب انتاجه او استيراده واستهلاكه وتحوله الى نفايات مكلفة جدا.