الملف البيئي في لبنان أكبر وأكثر تعقيداً من أن يتنكبّ وزير البيئة، اياً يكن، مهمة التصدي له وحده. وقد لا يستطيع وزير البيئة الجديد فادي جريصاتي أن ينجز الكثير في المئة يوم الأولى، لا سيما اذا كان سيبدأ في إعداد استراتيجية بيئية شاملة واستراتيجيات مفصّلة لكل ملف. لذلك، فإن الوزارة الأساسية الضامنة لإحراز تقدم ملموس في وضع البيئة في لبنان، هي وزارة الداخلية التي يتقاطع عملها مع «البيئة» في كثير من القضايا. ويمكن، من خلال التنسيق بين الوزارتين، حلّ الكثير من القضايا سريعاً، وبأقل كلفة ممكنة، بمجرد اتخاذ قرارات بسيطة، أو تطبيق قوانين موجودة، أو التعاون لإنجاز قوانين تمت عرقلة إصدارها عمداً.

بين هذه القضايا، مثلاً، تجميد قرارات فتح مواسم الصيد البري، والتشدد في منع الصيد البري الكلي على كل الأراضي اللبنانية، ومصادرة أسلحة الصيد وذخيرتها وأجهزتها المتنوعة، حتى إجراء دراسات لوضع الطيور، وإدخال تعديلات على قانون الصيد تسهم في إعادة التوازن الى الطبيعة. وما على وزارة الداخلية، في هذه الحالة، سوى التشدد في تطبيق قرار المنع الكلي وضبط المخالفين.
وبما أن تلوث الهواء الناجم اساساً عن فوضى قطاع النقل هو المسبّب الأول للوفيات في لبنان، على الداخلية التشدد في تطبيق إجراءات المعاينة الميكانيكية ووقف المركبات والآليات التي تنفث محركاتها وعوادمها انبعاثات ظاهرة للعيان، وتوجيه إنذارات الى مراكز المعاينة الميكانيكية بضرورة التشدد في مراقبة الانبعاثات. وهذا إجراء يمكن ان يوفر الكثير من تلوث الهواء ويقلّص بشكل كبير من قيمة الفاتورة الصحية التي تتكبّدها الخزينة العامة.
كما يمكن الطلب الى الاجهزة الامنية التشدد في مراقبة أعمال المقالع والكسارات والمرامل والزفاتات ومجابل الباطون لوقف غير المرخص منها، والتأكد من تطبيق المرخّصة لشروط الترخيص. وهو إجراء يسهم في حماية البيئة، وفي تعزيز مداخيل خزينة الدولة التي تخسر سنوياً مئات ملايين الدولارات من سوء ادارة هذا القطاع وحده. وما المطلوب من وزارة الداخلية، في هذا الملف، سوى اعادة مسح هذا القطاع، وهو ما لم يحصل إلا مرة واحدة، عندما تسلم الوزير زياد بارود حقيبة الداخلية. لكن الإجراءات المفترضة في هذا الشأن لم تكتمل يومها، سواء لناحية ادارة هذا الملف من قبل مختصين، محترفين ونزيهين، أم لجهة وضع الإطار الاستراتيجي والتشريعي والتنظيمي اللازم في وزارة البيئة.
المياه وتلوثها ملف بيئي آخر يمكن لـ«الداخلية» المساهمة في الحدّ من خطره بشكل كبير وسريع، عبر إجراء مسح للآبار الجوفية التي تنهب الثروة المائية من دون حق، ومراقبة مصادر ملء صهاريج المياه، ووقف المدير العام لقوى الأمن الداخلي إصدار الرخص العشوائية لحفر الآبار في مختلف المناطق. كما يفترض التشدد في عدم اقفال محاضر التحقيق في حرائق الاحراج، وهي في غالبيتها الساحقة مفتعلة او ناجمة عن إهمال... إضافة الى إجراءات تنفيذية اخرى تطال المؤسسات المخالفة لناحية التبليغ والمراقبة والمتابعة، وضبط الكثير من المخالفات الاخرى (على انواعها) التي يمكن ان تسهم في الحد من التدهور البيئي على الأصعدة كافة.
في الخلاصة، لسنا بحاجة الى كثير من التمويل والديون لمعالجة معظم القضايا البيئية، بل لحسن الادارة والتشدد في تطبيق القوانين. وفي بلد يفوق عدد ضحايا تلوث الهواء فيه عدد ضحايا حوادث السير، يفترض اعادة النظر في موضوع الامن الانساني والاقتصادي والاجتماعي، لناحية اعادة الاعتبار إلى الامن البيئي الذي بات مهدداً للحياة وديمومتها.