منذ ثلاثة أشهر غاب حسين أبو اسبر (أبو علي) عن «الكميون» الذي يشحن فيه قمامة بعلبك منذ خمس وعشرين سنة، «من أيام القائمقام عندما لم تكن في بعلبك بلدية». افتقده أحد أبناء المدينة. سأل عنه وعرف أنه «قاعد بالسهلة» نتيجة إصابته بالسرطان. الأعوام الخمسة والعشرين لم تشفع لـ«ابو علي» لتأمين «نهاية» لائقة له، ولا لكثيرين من أمثاله من الفقراء المحرومين من «جنة» الضمان الاجتماعي وحلم ضمان الشيخوخة. في الفيديو الذي انتشر عبر وسائل التواصل وأثار غضب البعلبكيين، يتحدث أبو علي كيف «كنت أخدم البلدية... وين ما يودوني روح حتى خارج شغلي».

في البيت الطيني المسقوف بالخشب، يقيم إسبر وزوجته وبناته الخمس وابنه الوحيد الذي «وظّفته» البلدية مكان والده. تقول أم علي» إن زوجها خضع لثلاث عمليات أخيراً، تكفل «أهل الخير» بالجزء الأكبر من تكاليفها، لكن تبقى نحو ستة ملايين ليرة. «طلبنا من البلدية مساعدة لسد الفارق فأتى الرد في كل مرة: اللي بيشتغل يومي ما اله معاش»!
بلدية بعلبك نشرت بياناً توضيحياً بعد الانتقادات التي طالتها جراء انتشار الفيديو، أكدت فيه أنها «قامت وما زالت تقوم بواجبها تجاه السيد حسين أبو إسبر ولم تتخلَ عنه وظيفياً وصحياً» و«تعهدت بتسديد الفاتورة الإستشفائية الخاصة به أكثر من مرّة في مستشفى المرتضى في بعلبك». ولفت إلى أن «السيدة زوجته تُستقبل في مكتب رئيس البلدية بشكل لائق وضمن الإمكانيات المتاحة». ووضع البيان الفيديو الذي نشر على مواقع التواصل الاجتماعي في خانة «الاستعطاف وتمويه بعض الوقائع والحقائق».
بصرف النظر اين تكمن هذه الحقائق، تسلّط مأساة «أبو علي» الضوء على أوضاع الفئات الأكثر هشاشة ومنهم عمال النظافة والعاملون في البلديات المحرومون من الاستفادة من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. رئيس البلدية العميد حسين اللقيس أكد لـ «الأخبار» أن «كل العاملين في بلدية بعلبك، وعددهم 246 (17 موظفا رسميا و7 متعاقدين و70 أجيراً و152 مياوماً) لا يشملهم الضمان بسبب قانون العمل. ولفت إلى اجتماع عقدته «جمعية المدن اللبنانية المتحدة»، قبل أسابيع، وحضره عدد من رؤساء البلديات، ورفعوا بنهايته اقتراحاً إلى مجلس النواب لإلغاء القانون رقم 10/84 الذي جمد إفادة عمال البلديات من خدمات الصندوق للضمان الاجتماعي لجهة الضمان الصحي والعائلي وتعويض نهاية الخدمة. علماً أن هذا الاقتراح «عمره من عمر الضمان».
أثارت قصة إسبر البعلبكيين، فتداعوا الى مساعدته، بمبادرة احتضنتها جمعية «سايف سايد» التي تعنى بنشر الوعي حول الرصاص الطائش. «أبو علي» يرقد الآن في مستشفى «دار الأمل» لتلقي العلاج الكيميائي، فيما نُقلت عائلته إلى فندق كنعان ريثما تنتهي ورشة ترميم المنزل وتأثيثه.