يندر أن أحداً لم تصله رسالة نصية على هاتفه المحمول تبدأ بـ: «تبرع بدولار...». هناك «ترِند» اسمه «تبرع بدولار». أرسل رسالة فارغة، فتتبرع بدولار واحد، لواحدة من جمعيّات عدة بأسماءٍ مختلفة.

عدد الجمعيات بات أكبر من عدد هواتفنا، وهي تطلب «الدعم» دائماً: جمعية «طبية»، جمعية للفقراء تقيّم الفقر على «مستويات»، وثالثة لمكافحة السرطان... جمعيات أشكال وألوان، تلجأ إلى «إستراتيجية» الرسائل النصية للحصول على الدّعم المادي بطريقة أو بأخرى.
كيف تسير هذه الآلية؟ وأين يذهب «الدولار»؟
في إتصال مع متحدث باسم جمعيّة «منسيين»، أكد أن الجمعيّات لا تتكلّف أي مبالغ على هذه العمليّة. كل ما على الجمعية ــــ التي تبغي «العمل الخيري» ــــ فعله هو التواصل مع وزارة الإتصالات، وتزويد الأخيرة ملفاً يشرح تفاصيل عملها وكل المعلومات اللازمة: العلم والخبر، الأهداف، والقيمون عليها وغير ذلك. باقي القصة عند الوزارة التي تتواصل مع كل من شركتي الإتصالات في لبنان «تاتش» و«ألفا» للبدء في إرسال الـ «sms» لفئة محددة تستهدف الجمعية الوصول اليها (غالباً ما يتم اختيار العينات بالاستعانة بشركات متخصصة بالاحصاء). وهناك نسبة ثابتة تتقاضاها الشركتان تقدّر بنحو 250 دولاراً عن الحملة، أياً كانت عائدات الجمعية من التبرعات. ويُسمح أن تستمر الحملة على مدى شهر لمرة واحدة في السنة. أما «الداتا»، التي تتضمن بيانات ومعلومات مختصّة بأرقام الهواتف التي ترسل إليها الرسائل، فهناك آليات كثيرة للحصول عليها. وتتولى الأمر شركات مختصة تملك بيانات تفصيلية للأشخاص المستهدفين، بحسب العمر والجنس والمنطقة والطائفة... إلخ، وتتولى بيعها للمعلنين. واحد من أهم مصادر هذه البيانات هي فواتير الهاتف الخاصة التي توفّر معلومات عن كل شخص وقيمة ما ينفقه، ما يمكّن شركات الداتا من تقسيم المستهدفين «طبقياً» وجندرياً وما إلى ذلك. باختصار، نحن أمام استباحة تامة للخصوصية.

ما يثير الريبة لدى المتلقّين هو «التلاعب» الذي تقوم به بعض الجمعيات


ولكن، هل تحصل هذه الجمعيات فعلاً على هائدات مجزية من «غزوها» اليومي لأرقام الناس المستباحة بما يبرّر هذه «الموضة»؟ يقرّ المصدر بأن المردود «كتير خفيف». وللناس وجهة نظرهم الخاصة في تفسير عدم الإستجابة. «دغري بس توصلني بعملّها delete» هكذا يشرح كثيرون ردة فعلهم عندما تصلهم مثل هذه الرسائل. قليلون، أصلاً من يُكملون القراءة. إذ أن الرسائل تصل يومياً من كل مكان: من شركات الإتصالات، ومحال الألبسة، والجمعيات، وحتى فرق كرة السلة (نادي الحكمة أخيراً). الجهل بهذه الجمعيات التي لا يُسمع بها سوى عبر الرسائل النصية يدفع إلى عدم التفاعل معها. أضف إلى ذلك عدم الوثوق بمصادرها. وتجربة جمعية «جاد» (شبيبة ضدّ المخدرات)، أخيراً، تدل إلى ذلك. إذ أصدرت بياناً أكدت فيه أن لا علاقة لها بالرسائل القصيرة التي تصل إلى هواتف اللبنانيين باسم «شبيبة لمكافحة المخدرات»، كما يقول رئيسها جوزيف حواط. وهذه جمعية أخرى، متهماً إياها بـ«استغلال اسم جمعيته لتلقي الدعم».
ما يثير الريبة لدى المتلقّين، أيضاً، هو «التلاعب» الذي تقوم به بعض الجمعيات، مستفيدة من اسمها، لتمويه أهدافها الحقيقية، وهي قد لا تكون أهدافاً سيئة أساساً. هذا ما فعلته، مثلاً، إحدى هذه الجمعيات «المنسية» أخيراً. فقد وجّهت رسائل تطلب دعم العائلات الأشد فقراً. هدف نبيل. أكثر من ذلك، استعانت بمجموعة من الممثلين لتصوير فيديو يحض على التبرّع. ما لم تقله الجمعية، يكشفه موقعها على الانترنت الذي يشير إلى أن هدفها الرئيسي «تنمية القيم الإنجيلية التي تعبر عن حب الفقراء والتنوير في ما يتعلق بالتعاليم الاجتماعية للكنيسة، من خلال حث المستمعين على مساعدة المحتاجين والفقراء والأسر المهملة». هذا جميل، لكنه من أنواع «التبشير». دعم الفقراء أمر، والتبشير أمر آخر مختلف تماماً! والرسائل القصيرة لا تظهر كل شيء دائماً.
كثيرون أيضاً لا يؤمنون، أساساً، بأن الدولار قادر على تحسين أحوال جمعية لمكافحة السرطان مثلاً. أمر كهذا يحتاج إلى «أرقام ضخمة»، يقول أحدهم، «ومن يهتم لذلك يمكنه أن يقصد مقر الجمعية ويتبرّع بما يفوق الدولار بكثير». فيما آخرون مستاؤون أصلاً من استباحة أرقام هواتفهم وبياناتهم الشخصية، ومن «كلفة الإتصالات والتشريج العالية، ما يجعلني أحتاج إلى من يتبرع لي»، بحسب أحد هؤلاء!